Media Center
كلمة الراعي / الأحد 17 كانون الأول ٢٠٢٣ من أبرشيّة اللاذقيّة وطرطوس وتوابعهما

كلمة الراعي / الأحد ١٧ كانون الأول ٢٠٢٣
*أحد الأجداد القدّيسين
يهمّ أمّنا الكنيسة أن يستعدّ أبناؤها وبناتها، كلّ سنة، لتذكار مجيء ربّنا يسوع المسيح إلينا بالجسد، بحجز أحدَين متتاليَين لتذكارَين جليلَين: تذكار الأجداد، أوّلاً، فتذكار الآباء، ثانيًا. بهذَين التذكارَين، تريد الكنيسة أن تدخلنا، احتفاليًا، في الابتهاج العظيم، الذي يعمّ المسكونة جمعاء، الابتهاج بحلول الربّ، في وسط عالمنا، رغم تنزّهه تعالى عن رجاسات العالم، وحقاراته.
عندما نتحدّث، أيّها الأحبّاء، عن مجيء ربّنا إلى عالمنا، قد لا ننتبه كفاية إلى الاتّجاه، الذي يسلكه بقدومه! إنّه يأتي إلينا، بالحقيقة، عموديًّا، من فوق، من علُ. يأتي إلينا من خارج عالمنا، فيهبط إلينا، ويحطّ الرحيل، وسطنا، وبيننا. يأتي ربّنا يسوع إلينا من عالمه هو، حيث لا مكان أبدًا لألاعيب الإنسان، ونزواته، ويسكن، بيننا، واحدًا مثلنا، حيث يجد نفسه وحيدًا، وغريبًا، ومقصيًّا، بسبب استقامته. يخترق يسوع، أيّها الأحبّة، بقدومه، طبقات بشريّتنا: طباعنا، وأهواءنا؛ عقليّاتنا، وميولنا؛ مواقفنا، ورؤانا، وعاداتنا. ينضمّ إلى وضعنا المقيّد بكثير من العقد، والتباينات، التي نعرفها، ونغرق في أشراكها، من أجل أن يعرب لنا عن قدر محبّة الله لبني البشر، وعن عظمة تفانيه، من أجل الجنس البشريّ.
إنّ انحدار الله هذا، نحونا، أيّها الأبناء المحبوبون بالربّ، من مرتبته العلويّة، يشمل البشر أجمعين. وهذا الأمر هو ثاني الجوانب، التي قلّما ننتبه أيضًا إليها، وما تريد الكنيسة منّا، بالفعل، أن نعيره فهمًا ملائمًا، فيما نستعدّ للاحتفال بمجيء الربّ يسوع إلى عالمنا، بالجسد. أجل، عندما نقول: هوذا ربّنا يأتي إلينا، ويتّخذ بشريّتنا، أو طبيعتنا، أو هوذا تمجّد اسمه وتعالى يدخل عالمنا، علينا أن نعي تمامًا ما نقصد قوله، بالحقيقة. نحن نعني بكلامنا أنّنا نشمل خلق الله أجمعين، بتجسّد ابن الله، ولا نكتفي بأن ينحصر تدبيره بفئة من الناس، أو بشعب، أو بمجموعة من الأشخاص، آمنوا باسمه. لا يقطن الأرض قوم، أو شعب، معيّن؛ بالطبع، لا! وليس الجسد خاصّة، يمكن أن يزعم فريق من الناس أنّه يمتلكها، دون الآخرين؛ بالطبع، لا! عالمنا هو لنا، وهو أيضًا عالم جميع الناس. فإنّ من يزعم أنّ الله له وحده، يحدّه بقومه، ولغته، وعاداته. إنّه إلهه، لا الله، خالق الناس أجمعين. وعلى مثل هذا التفكير أن يقرّ للأقوام الآخرين، وقتذاك، بأنّ لهم الحقّ، أيضًا، بأن تكون لههم آلهتهم !
ومن ثمّ، فإنّ مجيء الربّ، أو لنقل تجسّده، أو تأنّسه، يخصّ البشريّة بأسرها: البشريّة الحاضرة، اليوم، والبشريّة السالفة، أمسِ، في الماضي من السنين، والبشريّة القادمة، غدًا، بعد أجيال وأجيال. البشريّة كلّها تتّحد معًا، في تدبير الله الخاصّ هذا، تدبير ولادته المعجزة البيان. وما أحَدُ الأجداد، الذي نحتفل به، اليوم، أيّها الإخوة والأخوات، سوى احتفال الكنيسة بشركة سائر الأقوام والشعوب في تدبير الله الخاصّ بمجيء ابنه يسوع إلينا، بالجسد. ليس إبراهيم وذرّيّته، ولا موسى وشعبه، ولا داود ونسله، هم المعنيّين فقط بتجسّد المسيح، على ما يذكّرنا متّى الإنجيليّ، في مطلع بشارته، بل الأقوام، قبلهم، في كلّ مكان وزمان، هم معنيّون، كذلك، بتدبيره الخاصّ، على ما يذهب إليه لوقا الإنجيليّ، في بشارته. ذلك أنّ الأوّل ابتدأ سلالة يسوع، بحسب الجسد، من إبراهيم، فما بعده، بينما ارتقى الثاني بالسلالة نفسها، إلى ما قبل إبراهيم، إلى آدم، تحديدًا، الجدّ الأوّل، وباكورة الجنس البشريّ.
هناك أمر ثالث، في سياق الاستعداد لمجيء الربّ بالجسد إلى عالمنا، تريد الكنيسة ألاّ يفوتنا الانتباه إليه، وهو أمر التفاوت الكبير، بين الضيف والمضيف، أو الفرق الشاسع، في الشرف، بين الإنسان والإله. لقد شكّل هذا الجانب معضلة كبيرة، أيّها الأحبّاء، بالنسبة إلى اللاهوتيّين، في القرون الأولى. واستغلّ المُعادون للإيمان المسيحيّ الموضوع، لكي يهاجموا عقائد الديانة الناشئة، على أساس التباين الشاسع، بين عالم الألوهة، من جهة، وعالم الناسوت، من جهة مقابلة. وأكثر من هذا وذاك خطورة هو أنّ بعض المفكّرين عمدوا إلى محاولات توفيق، بين متناقضَين: بين قداسة الله، من ناحية، وفساد الإنسان، من ناحية مقابلة. وإذ حاولوا أن يفسّروا كيف تمّ تدبير الله، بخصوص إرسال ابنه يسوع، ربّنا وفادينا، إلينا، نحن البشر، تعثّروا، في تقديم الإيمان على الرعيّة، وانقادوا إلى بسط أفكارهم، على نحو لا يتّفق مع الموروث العقائديّ الأوّل. لهذا السبب، لم يتجاهل الإنجيليّان متّى، ولوقا، أن يُدرِجا في عبّ القائمة، التي قدّماها، على أنّها قائمة الآباء، وأجداد المسيح بالجسد، أسماء لم تلمع فضائلها، ولم يشرّف ذكرها السلالة المسيحانيّة، لكي يُلمحا، بها، إلى مغزى التجسّد الخلاصيّ: فقد ابتلعت نار الألوهة، بحرارتها، ثقل الخطيئة، الحاصلة للجنس البشريّ، بسبب الجسد.
عند هذا المفصل، أيّها الأحبّة، يبرز الجانب الليترجيّ لأحد الأجداد. فالليترجيّا البيزنطيّة تعرض على المؤمنين أن يستعدّوا لمجيء المسيح، الاستعداد، الذي كان ينقص الأجداد أنفسهم، والذي ترى فيه الكنيسة الترتيب اللائق باستقبال الربّ القادم إلى عالمنا. وما الذي نقص، في حياة الأجداد، بحيث إنّ الكنيسة طفقت تبسطه على المؤمنين، محرّضة إيّاهم على اكتسابه؟ لقد فقد أولئك الرجال المحظيّون شهامة التعفّف، التي تميّز بامتلاكها رجالات الله. وشهامة التعفّف هذه مروءة، يعجز حتّى الأبطال الصناديد عن تحصيلها، والمحافظة عليها. التعفّف يعني الإعراض عن الانسياق إلى أهواء الجسد، وهي كثيرة. هوى المتعة، وهوى التعالي على الآخرين؛ هوى التفاخر، وهوى اقتناء الأشياء الفاخرة؛ هوى العُجب بالنفس، المعروف بمرض النرجسيّة، وهوى الخداع؛ هوى الاستئثار بالقرار، عندما يتعلّق الأمر بالجماعة، وهوى التفرّد به، مخالفة لقرار الجماعة.
علاوة على أشكال التعفّف هذه، التي تدلّ على عزّة نفس، وعلى رجوليّة فاضلة، على "مروءة" كما قلنا، قبل قليل، غرق "الأجداد" في خطب ودّ الغريب، واستعارة عادات غريبة، والامتناع عن المحافظة على أصالتهم، وعن صيانة هوّيّتهم. انهمكوا في تأجيج الأحقاد، متألّبين بعضهم على بعضهم الآخر، وانصرفوا عن محبّة قومهم إلى إشباع أثرتهم، متجاهلين مواعظ العقلاء، والأنبياء، وصامّين آذانهم عن سماع التوبيخ، والإنذار. نقصتهم الشهامة، أيّها الأبناء المحبوبون. وهذه تعني إظهار الكرامة، على أعين الملإ، من خلال الاستماتة، في سبيل القيم، التي تنشّأوا عليها، هم وآباؤهم، ومعلّموهم. وأنتم تعلمون، أيّها الأحبّة، أن ليس كعمى البصيرة شرّ، يمكنه أن يحلّ على الإنسان. فإنّ كثيرين، اليوم، راحوا، عن عمى قلوبهم، وغشاوة بصيرتهم، يعلّمون، نعم "يعلّمون"، الانقلاب على القيم، بلا خجل. وكثيرون آخرون يفسّحون للمتعدّي بالإكثار من تبرير أفعاله، بدل أن يرشدوه. أيقود أعمى من فقد بصره؟ أو لنقل: هل يكون مرشدًا من فقد رشده؟
من مصائب عصرنا الكبرى الجواب بالإيجاب على السؤالين اللذين سبقا، لا قولاً، فقط، بل فعلاً، أيضًا!
+ جاورجيوس
متروبوليت اللاذقيّة وطرطوس وتوابعهما
