Media Center
عظة غبطة أبينا البطريرك يوسف العبسي الكلّي الطوبى في الليترجيا الإلهيّة المقدّسة بمناسبة عيد الميلاد 2023

25 December 2023
العظة التي ألقاها صاحب الغبطة السيد البطريرك يوسف العبسي الكلي الطوبى والجزيل الوقار بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك ضمن الليترجيا الإلهية المقدسة بمناسبة عيد ميلاد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح بحسب الجسد، وذلك في كاتدرائية سيدة النياح حارة الزيتون
ميلاد 2023
في هذه الليلة القدسيّة الخاشعة، ليلةِ الميلاد، بعيدًا عن الأنوار الخلّابة والزينات الفاتنة وموزِّعِ الهدايا بابا نويل، مسيحيّون مؤمنون كثيرون، من مشرق الأرض إلى مغربها، يستقبلون السيّد المسيحبالصلوات والترانيم، بالحمد والتمجيد، بالفرح والسلام، ملبّين نداء الكنيسة لهم: "هلمّوا أيّها المؤمنون لننظرْ أين يولد المسيح. ولنتبع إذنِ الكوكبَ إلى حيث يسير مع المجوس ملوك المشرق. فهنالك رعاة يسهرون وملائكة يسبّحون هاتفين بغير فتور بتسبحة لائقة:’المجد لله في العلى، الذي وُلد اليوم في مغارة من البتول والدة الإله في بيتَ لحمِ اليهوديّة‘". مع هؤلاء المؤمنين لبّينا نحن أيضًا النداء وأتينا الليلةَ ننظرُ أين يولد المسيح، أتينا نسهر مع الرعاة ونسبّح مع الملائكة ونسجد مع المجوس، أتينا نرى من هو هذا يسوعُ المسيح الذي تدعونا الكنيسة إلى رؤية ميلاده.
01- المسيح ابن الله
يخبرنا الإنجيليُّ لوقا أنّ الملاك جبرائيل عندما حضر إلى مريمَ العذراءِ في مدينة الناصرة وحيّاها قائلًا: "السلام عليك يا ممتلئةً نعمةً الربُّ معك" ثمّ رأى أنّها اضطربت لكلامه، طمأنها بقوله: "لا تخافي يا مريم فلقد نلتِ حُظوة لدى الله. وها أنتِ تحبلين وتلدين ابنًا وتسمّينه يسوع. إنّه يكون عظيمًا وابنَ العليّ يُدعى". ولـمّا سألته كيف يكون ذلك لأنّها عذراء أجابها : "الروح القدس يأتي عليك وقدرةُ العليّ تظلّلك، ومن أجل ذلك فالقدّوس الذي يولد منك يدعى ابنَ الله".
السيّد المسيح الذي أتينا نشهد ولادته هو ابن الله، هو "الإله الذي قبل الدهور" كما رنّمنا في قنداق العيد، هو "الله معنا"، عمّانوئيل، كما تنبّأ عنه أشعيا النبيّ. أناس كثيرون يرفضون اليوم أن يكون الله معنا. يرفضون أن يكون المسيح ابنُ الله قد أتى إلينا وسكن فيما بيننا كما يؤكّد يوحنّا الإنجيليّ. أناس كثيرون اختاروا أن يعيشوا من دون الله أو حتّى أنكروا وجود الله رافضين كلام القدّيس بولسَ الذي سمعناه في الرسالة: "لـمّا بلغ ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبنّي". أمّا نحن المؤمنين فنعلن مع الكنيسة: "اليوم البتول تلد الفائق الجوهر"، "اليوم العذراء تلد الكلمة الذي قبل الدهور"، "اليوم وُلد لنا صبيّ جديد، الإلهُ الذي قبل الدهور". ومع الكنيسة نعلن أيضًا في الوقت عينه: "إنّ هذا السرّ لا يَحتمل فحصًا، بل جميعنا نمجّده بالإيمان فقط". "هلمّ أيّها المؤمنون لننظر أين يولد المسيح".
02- المسيح المخلّص
يخبرنا الإنجيليّ لوقا أيضًا أنّه حين وُلد يسوع في بيتَ لحمَ "كان في تلك البقعة رعاةٌ يقيمون في الحقول ويسهرون في هجعات الليل على قُطعانهم. فوقف ملاك الربّ بهم وغمرهم مجدُ الربّ بسناهُ فاستولى عليهم خوف عظيم فقال لهم الملاك ’لا تخافوا! فها أناذا أبشّركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب. اليوم في مدينة داود وُلد لكم مخلّص هو المسيح الربّ‘".
أجل، يسوع المسيح هو المخلّص. هذه هي البشرى الكبرى التي كان الشعب اليهوديّ ينتظرها منذ زمان وزمان والتي عاش على رجاءِ أن يسمعها ويراها حاصلة في يوم من الأيّام فتجعلَه ينسى كلّ أحزانه وآلامه ومآسيه السابقةِ ويفرحَ. الخلاصُ المنتظَر. لكنْ، أيُّ خلاص؟ كان الشعب اليهوديّ ينتظر مخلّصًا زعيمًا قائدًا يخلّصهم من نير الرومان ومن نير غيرهم. هذا ما عبّر عنه سمعان الشيخ عندما قدّم يوسفُ ومريمُ يسوعَ إلى الهيكل فحمله على ذراعيه وقال "أيّها السيّد إنّ عينيَّ قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته أمام وجوه الشعوب كلّها". لكنْ، يا للماجأة عندما علموا أنّ المخلّص جاء يخلّصهم من شيء آخر. جاء يخلّصهم ويخلّص البشريّة كلّها معهم من خطاياهم. يقول متّى الإنجيليّ إنّ يوسف عزم على تخلية مريم سرًّا، "وفيما هو يفكّر في ذلك تراءى له ملاك الربّ في الحُلم وقال’يا يوسف ابنَ داود لا تخف أن تأخذ امرأتك مريم، فإنّ الذي حُبِل به فيها إنّما هو من الروح القدس. وستلد ابنًا فتسمّيه يسوع لأنّه هو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم‘".
يسوع المسيح هو مخلّص البشر من خطاياهم، مخلّص كلِّ واحد منّا من خطاياه: "لك أقول مغفورة لك خطاياك". كم نرى أناسًا لا يُقرّون بأنّهم خطأة في حاجة إلى الخلاص، أناسًا يرفضون قول يسوع: "إنّ ابن البشر قد جاء ليطلب ما قد هلك ويخلّصه" (لوقا 19: 10). وكم نرى بالتالي أناسًا ما عادوا يميّزون بين الخطيئة والنعمة، بين الشرّ والخير، بين الجيّد والسيّء، بين الجميل والبشع، بين الصحّ والغلط. هذه هي الطامّة الكبرى التي نشهد نتائجها الوخيمة في عالم اليوم الذي تفلّت حتّى على مستوى الدول من كلّ الضوابط الأخلاقيّة وما عاد يدرك، في الكثير ممّا لم يعد يدركه، أنّ العقوبات التي تفرض على شعوب بكاملها خطيئة، وأنّ السكوت عن الظلم خطيئة، وأنّ القياس بمقياسين خطيئة. "هلمّ أيّها المؤمنون لننظر أين يولد المسيح".
03- المسيح الملك
نقرأ في إنجيل متّى أنّه "لـمّا وُلد يسوعُ في بيتَ لحمِ اليهوديّة، في أيّام الملك هيرودس، إذا مجوس من المشرق قد أقبلوا إلى أورشليم قائلين:’أين المولود ملكُ اليهود؟ فإنّا رأينا نجمه في المشرق ووافينا لنسجد له‘"[...] "ودخلوا البيت فأبصروا الصبيّ مع مريم أمّه، فخرّوا وسجدوا له، ثمّ فتحوا كنوزهم وقدّموا له هدايا". يسوع المسيح المولود من مريم العذراء هو ابن الله، مخلّصٌ وملك أيضًا لكن ليس كسائر الملوك الذين يحكمون في الأرض لأنّه لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدُم، ولأنّ مملكته ليست من هذا العالم كما قال هو نفسه. وقد عاش ذلك منذ ميلاده الذي حصل في مذودٍ وفي مغارة بعيدًا عن أضواء العالم إلى موته على الصليب وحيدًا. هذا الطفل الذي في مذودٍ حقيرٍ وثيابٍ فقيرة هو ملك الملوك وربّ الأرباب، هو السيّد المطلق، قد بنى مُلكه على العدل والسلام والمساواة والحرّيّة والعطاء والخدمة والرحمة والغفران، مَلِكٌ ليس كهيرودسَ وأمثاله من أسياد الأرض ممّن يبنون سيادتهم على التسلّط والقهر والاستغلال والظلم والكذب. لقد غيّر يسوع وقلب بميلاده في المغارة والمذود المفاهيمَ البشريّةَ الضيّقة والهزيلة التي تصُدّ الإنسانَ عن الارتقاء إلى ما هو أسمى والانطلاقِ إلى هو أجمل: "سمعتم أنّه قيل أمّا أنا فأقول لكم". إنّ المجوس، على غير ما كان مألوفًا بين الناس، خرّوا وسجدوا لا لملك جالس على عرش يحمل صولجانًا، بل لملك مضجع في مذود، وديعٍ ومتواضعِ القلب كما وصف نفسه، وبذلك أدركوا وأقرّوا أنّ الأمور تغيّرت وأنّ عالـمًا جديدًا أقبل وأنّ حياةً جديدة ابتدأت مع هذا المولود الجديد فغيّروا هم أيضًا طريقهم "وقفَلوا في طريق أخرى إلى بلادهم"، يقول متّى، لأنّ طريق هيرودسَ التي دلّهم عليها ما عادت صالحة وما عادت تقود إلّا إلى الهلاك. وفي الواقع قد سارع هذا الملكُ من دون توانٍ ولا رادعٍ إلى ذبح أطفال بيتَ لحمَ خوفًا على ملكه
.
04- ماذا نهدي إلى يسوع المسيح
درجت العادة في الميلاد أن يُهدي الناسُ بعضُهم إلى بعض هدايا. أراد كاتب صلوات العيد المتكلّمُ باسمنا، أن يُهدي هو أيضًا هديّة إنّما للطفل يسوعَ لأنّه رأى، وهو يتأمّل في المغارة كما نتأمّل نحن الآن، رأى أنّ الأرض أهدتِ المغارةَ والقفرَ المذود والسماءَ الكوكب والمجوسَ الهدايا والرعاةَ التعجّب، ففكّر في ما عساه يقدّم، ما عسانا نحن البشر نقدّم ليسوع هديّة، وإذا به يهتف ويقول للطفل يسوع بقلب مفعم بالإيمان والامتنان: "نحن نقدّم لك أمًّا بتولًا".
هذهِ كانتِ الهدايا التي قُدّمت ليسوع في ميلاده. إنّما اليومَ إذا ما تأمّلنا فماذا نقدّم ليسوع؟ ماذا تقدّم الأرضُ ليسوع بدل المغارة، لا سيّما لإخوته الفلسطينيّين وبالأخصّ الذين في غزّةَ وغيرِهمِ الكثيرين في بلادنا وفي كلّ أنحاء العالم، أولئك الذين قال عنهم يسوع إنّ كلّ ما تصنعونه لإخوتي هؤلاء فلي تصنعونه؟ أرضٌ محروثة بالدبّابات منقوبة بالقنابل، ومنازلُ ومبانٍ ومشافٍ مدمّرة، وأَخْربةٌ وحُفر وأكوام من حجارة وتراب وحديد. ماذا تقدّم السماء اليوم ليسوع، لإخوة يسوع، بدل الكوكب؟ صواريخَ وقنابل من نار لا تُبقي ولا تَذر. ماذا يقدّم العالم اليوم ليسوع، لإخوة يسوع، بدل الرعاة؟ دهشةً؟ أجل دهشةٌ، لكن لا من تواضعِ ابن الله وميلاده، بل من القساوة والظلم والتجبّر والطغيان والنهب والتفنّن في القتل التي تمارَس على شعوب ضعيفة عزلاءَ فقيرة. الدهشةُ من التعاليم والقوانين الشاذّةِ التي يسنّونها ويقتلون بها الإنسانيّة والتي يريدون بها أن يغيّروا خلق الله ووصاياه وأن يستبدلوا أنفسهم به تعالى. ماذا يقدّم العالم اليوم ليسوع، لإخوة يسوع، بدل هدايا المجوس؟ الفتاتَ والفضلاتِ التي تقع من موائدهم العامرة بما ينهبون من البلاد النامية والشعوب الضعيفة، وبيئةً موسّخة مشوّهة، وأشلاءَ أطفال.
هذا ما يُقدَّم اليوم ليسوع ولإخوة يسوع لأنّه ظهر على الأرض إنسانًا من أجلنا. "أمّا نحن المؤمنين الذين كُتبوا باسم لاهوته" فهديّتنا لا نبدّلها لأنّها أثمن الهدايا على الإطلاق وأجملُها. قدّمنا ليسوع السيّدة مريم العذراء ونقدّمها اليوم وغدًا وإلى الأبد. إنّما مع هذه الهديّة نقدّم اليوم خصوصًا توبتَنا. في هذه الليلة السمحاء المقدَّسة نتوب إلى يسوع ونقول له رحماك يا ربّ، وصفحَك عن كلّ ما نرتكبه من ذنوب ومعاصٍ ومآثم. إقبل توبتنا. لقد يئسنا نحن البشرَ بعضُنا من بعض وأغلقنا النوافذ والأبواب بعضُنا في وجه بعض، فلا تيأس أنت منّا. رَفع البعضُ منّا أسوارًا وجدرانًا في ما بينهم فأزِلْ ياربّ جدران الحقد وأسوار البغض، وافتح نوافذ المحبّة وأبواب العدالة والرحمة. لقد انتزعنا السلامَ والفرح بعضُنا من قلب بعضٍ فأَعِد لنا السلام والفرح. رُدَّ إلى بلادنا صفاءها وهدوءها ونعيمها. لا تحجب عن أسماعنا صوت النشيد السماويِّ الخالد الذي رنّمته ملائكتك في ليلة ميلاد ابنك المخلّص: "المجد لله في العلى وعلى السلام وفي الناس المسرّة".
ليكن هذا النشيد دعاءنا وصلاتنا. من أجل العالم كلّه، من أجل مِنطقتنا، من أجل بلدنا سورية، من أجل جميع مواطنينا، من أجل المسؤولين عنّا، سيادةِ الرئيس بشّار الأسد ومعاونيه، ومن أجل الذين يسهرون على أمننا ويدافعون عن وطننا. لنرفع دعاءنا من أجل إخوتنا في غزّةَ التي مرّ بها الطفل يسوع في هروبه إلى مصر وفي عودته منها. لنصلِّ بعضنا من أجل بعض.
أهنّئكم بالعيد المقدّس المجيد وأهنّئ جميع أبنائيَ المنتشرين في العالم، منشدًا مع كلّ واحد منكم: "المسيح وُلد فمجّدوه. المسيح أتى من السماوات فاستقبلوه. المسيح على الأرض فارفعوه. أيّتها الأرض كلّها رنّمي للربّ. ويا شعوبُ سبّحوه. لأنّه قد تمجّد". آمين.
+ يوسف
ميلاد 2023
الكنيسة الكاتدرائيّة، دمشق
لمتابعة العظة التي ألقاها صاحب الغبطة كاملةً في قدّاس الميلاد 2023 الدخول إلى الرابط التالي :
Share this:
