Media Center
كلمة راعي أبرشيّة اللاذقيّة وطرطوس وتوابعهما ليوم الأحد 31 ك1 2023

كلمة الراعي / الأحد ٣١ كانون الأول ٢٠٢٣
* يقظة النفس والعيش بإيمان
يدعو القدّيس بولس تلميذه تيموثاوس، بإلحاح شديد، وحرص عتيد، إلى أن يبقى متيقّظًا، في كلّ شيء، عند قيامه بمهمّته الجديدة، التي فوّض إليه أن يتحمّل أعباءها. فقد جعله رأسًا على جماعة مسيحيّة ناشئة، من الجماعات المسيحيّة الأولى، التي أسّسها، في آسية الصغرى، تركيّا، حاليًّا.
إنّ ما يهمّني، اليوم، أيٌها الإخوة والأخوات، حقًّا، هو أن أبحر، أنا وأنتم معًا، بعض الشيء، في مطاوي هذا الإرشاد، الذي يقدّمه بولس، رسول المسيح يسوع، إلى تيموثاوس، صفيّه الحبيب، لأنّ الوصيّة، التي مدّه بها، تنمّ عن مودّة أبويّة، مليئة بالحنوّ والسهر، من جهة، وعن توجيه مختبَر، مليء بالحكمة، من جهة مقابلة.
ما كان بولس، بالحقيقة، ليوجّه مثل هذه الدعوة إلى تلميذه تيموثاوس، أيّها الإخوة، لولا بقاء هذا إلى جانبه، مدّة طويلة من الزمن. فالإرشادات تُعطى بدافع المودّة، أو بدافع السهر على خير الآخر، لا بدافع التفاخر عليه، أو انتهاك حرمة حقوقه، واستقلاليّته، كما بات شائعًا. ولكي تكبر المودّة، لا بدّ لها من وقت يمرّ، حاملاً معه عذوبة الجوار، والتعاون، والصدق، ومن مناخ يسود، مدّة من الوقت.
لكنّ العمل الرسوليّ اضطرّ تيموثاوس إلى أن يقبل بأن ينفصل عن معلّمه بولس، وإلى أن يتعهّد بأن يتسلّم رعاية جماعة، وإلى أن يحفظ الأمانة، أي الرعاية، بحسب نهج رسوليّ، تعلّم فنونه، على يدَي بولس. لم يقطع تيموثاوس، وهو الرأس الجديد لجماعة ناشئة حديثًا، صلته بمرشده، ومعلّمه، بولس؛ ولم يغترّ أبدًا بمنصبه، ولم يستكبر؛ بل، بالعكس، حافظ، وقد بات هو مرشدًا، ومعلّمًا، وموجّهًا، حافظ على الموقع، الذي انطلق منه، حينما كان بجوار بولس، يرافقه، لأجل القيام بالرسالة، بين جماعات بشريّة متنوّعة.
الأمانة ليست سوى الحفاظ، أيّها الإخوة والأخوات، على الموقع، الذي شغلته نفس، حين كانت تعيش، في ظلّ نفس أخرى، قادت خطواتها على دروب الحياة، من دون اغترار بمنصب، ولا بحال من الأحوال. والأمانة، كذلك، هي الاعتراف بفضل من سبق، فدرّب، وأفنى من عمره قسطًا من الحياة، لكي يهيّئ مسلكًا، تسير عليه نفس أخرى. ما عدا ذلك، لا مكان للكلام على أمانة، ولا على استمرار، لأنّ انقطاع الوصال يعني انقطاع الودّ، وانقطاع الودّ يعني التهوّر، والتخبّط في السير.
انطلق بولس من هذه النقطة، بالتحديد، لكي يسدي نصحًا إلى تيموثاوس، حبيب الله - هذا هو معنى الاسم باليونانيّة - حرصًا منه على نهج تلميذه، وحفاظًا منه على سلامة اضطلاعه بمهمّته الجديدة، في الوقت نفسه. انطلق من مبدإ الوفاء، لكي يقدّم نصيحة للرئيس الجديد، الذي انتدبه، لكي يحلّ مكانه، فيشرف على الجماعة الناشئة. الوفاء للمودّة، التي ربطته بتيموثاوس، من جرى تعاونهما، في عمل التبشير، من ناحية أولى؛ والوفاء للرسالة نفسها، التي سعيا معًا، من أجل تقدّمها، بنجاح، من ناحية أخرى. عندما ينتفي الودّ، أيّها الإخوة، بين سلف وخلف، أو بين أهل وأولاد، أو بين مؤسّس ومدير، أو بين رئيس ومرؤوس، يذهب الوفاء، ويترك موضعه للكيديّة الحانقة. فلا نصح يجوز، عند إذٍ، ولا رأي يُستأنَس به، ولا شهادة صالحة تُقدَّم، ولا خير يُرجى، بل، لا وئام يستتبّ، لأنّ بذار الخصام، الذي يستقرّ في تربة النفس، يذهب بالمودّة، غير المتجذّرة. وإذ ينمو، في ليلة كاحلة، يكتسح سريعًا ساحة العلاقات، ويغزو ما يكون قد نما، من قبلُ، فيها.
ينصح بولس تلميذه تيموثاوس بأن يلزم جانب اليقظة، لدى أدائه عمله. عندما نسمع هذا، من بولس، نخال أنّ همّ بولس الأعظم يكمن في أن يحتاط تيموثاوس لسلوكه كلّه، كيلا تقع عثرة على يدَيه، تؤثّر على الرسالة، من جهة، وعلى استقامته، في أعين الناس، من جهة أخرى. وفي الحقيقة أنّ من يتنكّب مهمّة القيادة يحتلّ منصبًا مرموقًا، عند الآخرين، ليس في وسعه أن يفرّط به، على هواه، ولا أن يزدري به، محتقرًا منزلته. فهو، لو فعل، فقد وقاره. لا يسع الذي قبل أن يسير، في الطليعة، بالفعل، أمام الرعيّة، أن يتخايل، يمنة ويسرة، في مشيته: إنّ عيون الجميع ترقبه، وأحكامهم تترصّده، في كلّ لحظة. لا يمكن أبًا، أو أمًّا، مثلاً، ألاّ يتيقّظا، في كلّ شيء، فيسلكا كما لو كانا لا أبًا، ولا أمًّا! لن يجدا رحمة، عند الأولاد، ولا عند الأقارب، والجيران، والأصحاب. مثلهما مثل كلّ من تصدّر رعيّة، وجماعة من البشر!
لكنّ في نصيحة بولس أكثر من مجرّد الاحتياط للنفس من العثرات. عندما يدعو بولس تلميذه تيموثاوس، أيّها الأحبّاء، لأن يتيقّظ، في كلّ شيء، يتطلّع إلى مقتضيات النجاح، في عمل البشارة، على حسب ما اختبره هو نفسه، مدّة سنوات، عند أمم عديدة الأعراق، والثقافات، ووسط ظروف شديدة التفاوت، لا إلى مجرّد السلوك السويّ، الذي ينبغي على تيموثاوس التمسّك به. لدى بولس منظور أشمل من منظور تيموثاوس، إذ يقدّم إليه النصيحة بالتيقّظ. يمكنني القول إنّ نصيحة بولس ترتدّ إلى سماع صوت الروح يهبّ، في حياة تيموثاوس، وفي أدائه مهامّه. يطلب بولس أن يسبر تيموثاوس لا عمله فقط، بل استعداد الآخرين لأن يتقبّلوا وقعه عليهم، أيضًا. يطلب منه أن يجنّد طاقاته كلّها، وروحانيّته، وما اكتسبه برفقته من خبرة رسوليّة، فيستثمرها، لكي يؤدّي دوره الجديد، على رأس الكنيسة، التي تسلّم قيادتها. وهو بحاجة إلى أن يصغي، خصوصًا، علاوة على ذلك، إلى مسلك عمل الروح، وسط الجماعة، لكي يسعى جهده، فينخرط في هذا المسلك عينه، بدل أن يبقى متيقّظًا في ما يتعلّق فقط بأفعاله، وأقواله.
إنّ تيقّظ المسؤولين لا يقتصر على أن ينتبهوا إلى سلوكيّاتهم فقط، ولا ينحصر بتطبيقهم القوانين المرعيّة الإجراءات، وحسبُ؛ فهذا عمل حسن، إن ألزموا أنفسهم به. ولكنّ منظور تيقّظهم البعيد المدى يتعدّى واجباتهم المباشرة، أيضًا، صوب رؤًى نبويّة، يستشرفون بها القادم من الأشهر والسنين، والأجدى من التشريعات والمخطّطات. وتيقّظ الرؤساء الكنسيّين لا يرتبط بأن يقوموا بأدوارهم الليترجيّة، والوظيفيّة، المنوطة بهم، فقط. فهم، إن أحسنوا القيام بها، أدّوا ما عليهم، وما هو مطلوب منهم، أو منتظر منهم. إلاّ أنّ تيقّظهم الفطن يمتدّ بهم، كما هو مرجوّ، إلى فضاءات أرحب: فضاءات تعليميّة، وتكوينيّة، وروحيّة، وراعويّة، وإيمانيّة، وكنسيّة، وخدماتيّة، على نحو مطّرد، لا تخاذل فيه، ولا تهاون. وليس تيقّظ الأبوين، في الأسرة، بأقلّ إلحاحًا، وتطلّبًا: لا يكفي أن يقدّما لأبنائهم ما تقدّمه الكائنات الحيّة الأخرى، التي تعيش في الطبيعة، بل أحرى بهم أن يتيقّظوا إلى جوانب أخرى عديدة، أيضًا، تتعلّق بتنشئتهم، وانطلاقهم في الاتّجاه الصحيح، وتقرّر مصائرهم.
أيّها الأبناء المحبوبون بالربّ، لنسهر على أنفسنا، وعلى دعوتنا، سهر من سوف يؤدّي حسابًا عن الوزنات، التي اودعه إيّاها الله تعالى. وليكن سهرنا حيطة دائمة، لا إهمال فيه، حتّى يتمجّد اسم الله، على كلّ فم، وفي كلّ زمان، ومكان، كما يليق.
+ جاورجيوس
متروبوليت اللاذقيّة وطرطوس وتوابعهما
