Media Center

3 ك2 تذكار القديسة جنفياف، شفيعة مدينة باريس من رعيّة مغدوشة، لبنان

3 January 2024
عيد مبارك لكلّ إسم جنفياف، جيني، جنيفر، جينا...
ولدت هذه البتول القدّيسة في مدينة ننتير Nanterre، على ضفاف نهر السين، في جوار مدينة باريس، نحو سنة 422. ولقد أرسلها الله نعمةً لهذه العاصمة العظيمة، وبركةً لها على الدوام. وكان أبوها سفيرس وأمّها جيرُنتيا من أعيان تلك البلاد، ومن أكثرهم تقوى وفضيلة وأعمالاً صالحة. فدعواها بإسم جنفيف، أي "إبنة السماء" وعُنيا بتربيتها. فأظهرت منذ نعومة أظفارها أجمل الخصال وأكملها، وأقربها إلى القلوب وأشهاها.
ومرَّ يوماً في ننتير الأسقفان القديسان جرمانس ولوبس، في طريقهما إلى بلاد بريطانيا لأجل محاربة بدعة بلاجيوس. فهرع الشعب لإستقبالهما وسماع مواعظهما والتبرّك منهما. فلمح جرمانس بين جمهور المؤمنين، جنفيف الفتاة، فأخذ بطلعتها السماويّة، وعرف بإلهامٍ إلهي ماذا يكون من عظيم شأنها في أعمال القداسة، وفي تاريخ الكنيسة. فاستدعاها ووضع يده على رأسها وقبّلها، وأوصاها بأن تخصّص للرب يسوع بتوليتها وحياتها.
وقامت جنفياف بوعدها، فجعلت همّها إتّحادها الدائم بالله، بالصلاة والتأمّل وأعمال الإماتات. وفي ذلك الحين كانت ترعى غنم أبيها، فكانت تقضي الأيام الطويلة في البريّة، وهي تناجي الخالق مبدع الكائنات. ولمّا كانت تعود مع القطيع عند المساء، كانت تذهب إلى الكنيسة وتقضي الساعات الطوال تناجي ربّ القربان، وتسكب قلبها في قلبه، وتحيي الليالي ساهرة عند أقدام عرشه.
وما كادت تلك البتول السماويّة تبلغ الرابعة عشرة من عمرها، حتى ذهبت إلى باريس وأبرزت نذورها الرسميّة بين يدي أسقفها، ولبست ثوب العذارى، ثم عادت إلى بيتها لتقوم كعادتها بخدمة والديها.
ولمّا رقد أبواها عافت كل شيء في الدنيا، وتركت بيتها، وذهبت إلى باريس إلى بيت إشبينتها، وهناك انقطعت بقدر إمكانها عن العالم، وقامت تمارس أعمال النسك بعيداً عن الأنظار، وتقضي أيامها بالصوم والصلاة ومناجاة ختنها الرب يسوع. فأفاض هذا الفادي الإلهيّ نعمه السنية ومواهبه الغزيرة على تلك النفس الزكيّة، ومنحها صنع العجائب، حتى صارت تشفي المرضى وتخرج الشياطين برسم إشارة الصليب المقدّس، بكل بساطة مسيحيّة.
وكان لها عبادة خاصة للقدّيس ذيونيسيوس أول أساقفة باريس.
وكانت كلّما ازدادت عجائبها إنتشاراً إزدادت هي وداعة وتواضعاً وأمانة. واجتمع حولها عدد من العذارى، فقامت ترشدهنَّ في طريق الكمال، حتى أن الكثيرات منهنَّ وصلن إلى درجة سامية في القداسة.
إلاّ أن الشيطان عدّو الله وعدوّ الإنسان إتّقد غيظاً، لدى رؤيته تلك الفتاة القدّيسة تفيض من حولها النعم على النفوس والأجساد. فسلّح عليها الألسن الكاذبة الشرّيرة، ليثبط همتها ويثُنيها عن عزمها.فقامت بعض النساء الثرثرات وأخذنَ يشيّعن عليها الأكاذيب وينلنَ من سمعتها ومن آدابها. فصبرت البتول وسكتت وصفحت، ولبثت كعادتها على عباداتها ومألوف حياتها.
وعاد القدّيس جرمانس رسول بريطانيا، فمرَّ بباريس وسأل عن فتاته المحبوبة. فذهب بنفسه إليها، وزارها في بيتها، وشاهد طغمة العذارى اللواتي كنَّ حولها يسرنَ بإرشادها. فمجّد الله، وقام في الشعب خطيباً، ودافع بقوةٍ وفصاحة عن قداسة حياة جنفييف، وعن جمال عملها، وبيّن للجميع كم هو عظيم نهر النعم الفائض على الجموع منها. فسكتت الألسن وتوارى المنافقون، وعادت فضائل جنفييف تلمع أمام عيون الجميع.
وفي أواسط القرن الخامس أقبل "أتيلا" على رأس جيوش جرّارة من "الهون" البرابرة. وكان يسمّي نفسه "ضربة الله"، ويحرق المدن، ويهدم الكنائس والأديار، ويذبح السكان، ويفتك بلا رحمة بالأساقفة والكهنة والرهبان.
فقامت جنفييف تدعو الناس إلى التوبة، وتعظ الناس أن يثقوا برحمة الله ويعودوا إليه، وأخذوا يجتمعون معها ومع بناتها للصلاة والتكفير. أمّا الآخرون فثاروا عليها، وجعلوا يقولون أن تلك الإبنة الثرثارة سوف تكون سبب هلاك الكثيرين. فوصل رئيس شمامسة القديس جرمانس، يحمل إليها الخبز المقدّس من لدن أبيها الأسقف القديس، هدية بركةٍ ورضى قبل موته، عربوناً لعطفه عليها. فدافع هذا الشمّاس عنها، وأخمد الثورة القائمة عليها.
فسكت أهل باريس عنها، وقاموا يشاركونها في التضرّع والتكفير وعمل التوبة، ولبثوا في بيوتهم متوكّلين على الله وعلى شفاعتها. فلم يصل "أتيلا" إلى باريس ولم يحاصرها. ثم تحالف عليه كل من "ميروفيه" ملك الفرنجة، "وثاودوريك" ملك الغوط، وأمير البورغندة، وجعلوا قيادة جيوشهم بيد القائد الروماني أئيسيوس، واندفعوا عليه، فدحروه بالقرب من مدينة ترواياTroyes، سنة 451، فكسروه شر كسرة، وانهزم من أمامهم، وترك البلاد. وهكذا سلمت مدينة باريس من شرّه بفضل جنفييف وشجاعتها وشفاعتها.
ثم بعد ذلك بنحو أربعين سنة جاء كلوفيس، وحاصر باريس، وضيّق عليها. وكانت المدينة لا تزال موالية للرومانيّين. فقامت من جديد جنفييف، وتدعو الجموع إلى الصلاة والتكفير والتوبة. فسمعوا لها، وتعالت أصوات الصلاة من كل الأنحاء، تتضرّع إلى الله لكي يرأف بشعبه بشفاعة تلك الفتاة.
ولم تكتف جنفييف برفع الإبتهال إلاى الله، بل أعدّت أحد عشر مركباً شراعيّاً، وراحت رغم كبر سنّها، تمخر عباب نهر السين، وتطوف المدن والأرياف، تجمع القمح لتغذّي به جموع المساكين الجائعين.
وبقيت جنفييف بركةً لتلك المدينة كل أيام الحصار. ثم تنصّر كلوفيس، وقبل سرّ العماد من يد القدّيس ريمي أسقف مدينة ريمس، ليلة عيد الميلاد، سنة 496. ففتحت له حينئذٍ باريس أبوابها، واستقبلته بمعالم الأفراح، فحلَّ الفرح بعد الضيق، بغيرة وشفاعة جنفييف، البتول الملائكيّة المحبوبة.
وأكرم كلوفيس فتاة باريس إكراماً فائقاً، وتتلمذت لها زوجته الملكة كلوتلدا، فعظم شأنها جدّاً لدى الملوك والأمراء. فكانت كلمة منها تطلق المعتقلين من السجون، وتحمل الملك كلوفيس على تشييد الكنائس وفتح الخزائن الملكية لإعالة المحتاجين والفقراء.
وهكذا كانت البتول جنفييف الباعث الأكبر على إنعاش وإنماء الروح المسيحيّة في باريس وفي بلاد فرنسا كلّها جمعاء. فهي فتاة تلك البلاد الطيّبة المجيدة، وزعيمة جيش العذارى القديسات، اللواتي سوف ينبتن في تلك الأمصار الفرنسيّة الكريمة، كما تنبت الزنابق في الحدائق الغنّاء، وتعطّر جميع البلاد والأنحاء.
وقضت هذه البتول النقيّة سني حياتها الطويلة في أعمال البرّ والقداسة، حتى صارت إبنة تسع وثمانين سنة. ثم رقدت بالرب رقود القدّيسين، سنة 512، وطارت نفسها إلى الأخدار العلوية لتنضم إلى الطغمات الملائكيّة، وإلى أجواق البتولات الحكيمات اللواتي يتبعن على الدوام الختن الإلهيّ في النعيم السرمديّ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
Toutes les réactions :
47Vous, Pere Charles A et 45 autres personnes

 
 
Share this:

[back]