Media Center

كلمة الراعي / الأحد 7 كانون الثاني 2024 من أبرشيّة اللاذقيّة وطرطوس وتوابعهما

7 January 2024

كلمة الراعي / الأحد ٧ كانون الثاني ٢٠٢٤
* هل نلتم الروح القدس، لمّا آمنتم؟

طرح القدّيس بولس هذا السؤال على مجموعة من "التلاميذ"، كما يقول لنا القدّيس لوقا الإنجيليّ، في الفصل التاسع عشر من سفر أعمال الرسل. كان القدّيس بولس قد وصل إلى مدينة أفسس، في أثناء رحلته الرسوليّة الثالثة، قرابة العام ٥٥/٥٤، وكان هنالك، قبله، مجموعة من المتنصّرين، يقيمون، في المدينة. فلمّا التقاهم بولس، طرح عليهم السؤال المذكور: "هل نلتم الروح القدس، لمّا آمنتم؟". ولكن ما يثير الدهشة، حقًّا، عند سماعنا الجواب، الذي ردّه "التلاميذ" على بولس، هو أنّ أولئك "التلاميذ" قالوا: "ما سمعنا قطّ أنّه يوجد روح قدس"! بعد انقضاء ربع قرن على قيامة يسوع، وعلى أحداث العنصرة، كان بعض "التلاميذ" لا يزالون يجهلون، في أماكن شتّى، ما من أمر الروح القدس. كان الأمر خفيًّا بعدُ عليهم!
لا شكّ في أنّ الأمر غريب جدًّا، أيّها الأحبّاء، بالنسبة إلينا، اليوم، إذ نعجب من أنّ أشخاصًا آمنوا بيسوع، لا يعلمون شيئًا عن الروح القدس. لقد آمن أولئك الأشخاص، الذين طرح بولس السؤال عليهم، بيسوع، إلا أنّهم لم يسمعوا بالروح القدس. ولا اعتمدوا باسم يسوع؛ لكنّهم كانوا، مع ذلك، في عداد "التلاميذ".
إذا راجعنا انفسنا، بعض الشيء، أيّها الإخوة، والأخوات، بقصد المقابلة، بين واقعنا نحن، اليوم، وواقع الكنيسة، في تلك الفترة المبكّرة، من تاريخ الكنيسة، في ما يتعلّق بسماعنا شيئًا يختصّ بالروح القدس، وجدنا هذا: لقد نلنا نحن العماد، باسم يسوع، ذات يوم، فأصبحنا ندعى مسيحيّين، غير أنّ أولئك الأشخاص، الذين التقاهم بولس، في أفسس، لم ينالوه، وكانوا يُدعَون "تلاميذ". ونلنا، نحن، كذلك، ذات يوم، الميرون المقدّس، علامة حسّيّة على انّنا بتنا نسلك، بجميع حواسّنا، ومداركنا، وطاقاتنا، الجسديّة، على حسب ما علّم به يسوع: وهذا يشمل، تحديدًا، القول، والسماع، والرؤية، واللمس، والفهم، والنصح، والعمل، والسير، كلّ يوم من أيّام حياتنا، بحسب نهج الربّ، والمعلّم، فادينا ومخلّصنا يسوع المسيح؛ لأنّ قبول الروح القدس، أيّها الإخوة، يعني التقديس، تقديس المرء كلّه، فكرًا، وقولاً، وعملاً، لكي يشابه، بشهادة حياته، المثال، الذي دعانا إليه الربّ. والحال انّ أولئك الأشخاص، في أفسس، الذين كان عددهم اثني عشر، كما يخبرنا لوقا البشير، واضع كتاب أعمال الرسل الأماجد، لم يكونوا قد حصلوا على مواهب الروح القدس، حين التقاهم بولس. ومع ذلك، أيضًا، كانت الكنيسة، في أفسس، تعتمد عليهم، وتستند إلى تقواهم، وإلى شهادة حياتهم، التي يقدّمونها، بلا لوم، على مشهد الناس جميعًا، في المدينة.
ونلنا نحن، أيضًا، جسد الربّ، ودمه، في داخلنا، علامة ساطعة على شركتنا السرّيّة في ابن الله، الذي تجسّد، ودليلاً لامعًا على اتّحادنا بموته عن خطايا البشريّة، وبرهانًا واضحًا على إيماننا بقيامته الظافرة، من بين الأموات، نلنا هذا السرّ العظيم والمقدّس، ذات يوم، ولم ينله أولئك! إلاّ أنّهم عاشوا، وفي جوفهم إيمان راسخ ونشِط بأنّ يسوع المسيح حيّ، وأنّه غاية كلّ إنسان، وأنّه ربّ.
هنالك فوارق كبيرة، إذًا، أيّها الأحبّة، بين واقعنا المسيحيّ، اليوم، وواقع أولئك "التلاميذ"، قديمًا. واقعنا مغلّف بأسرار كنسيّة، وحافل بغنًى لاهوتيّ، ووريث ليترجيّا عظيمة، تعكس بداخلها إيمان أجيال وأجيال من الآباء القدّيسين. أمّا واقع التلاميذ الاثني عشر، الذين في أفسس، فلم يعرف، كما يبدو، تنظيم واقعنا الكنسيّ: لا المعموديّة باسم الآب، والابن، والروح القدس، طالما أجابوا بولس قائلين بأنّهم نالوا معموديّة يوحنّا. ولم يتميرنوا، طالما، لم يكونوا قد نالوا المعموديّة باسم الثالوث القدّوس. من أجل هذا، وضع بولس يدَيه عليهم، فنالوا، وقت إذٍ، الروح القدس، كما يقول لنا النصّ. ولم يتناولوا جسد الربّ، ودمه، بما أنّهم لا تعمّدوا، ولا تميرنوا. هذا واقعهم. هكذا كان واقع أولئك الأشخاص، في أفسس. على وفق هذه الصورة، نشأت الكنيسة، أوّلاً. وكان فيها "تلاميذ" يتكلّمون بألسنة غريبة، ويتنبّأون.
بالفعل، هذا ما يضيفه لوقا، في شأن الرجال الاثني عشر، الذين التقاهم بولس، في أفسس. يخبر الإنجيليّ، فيقول: إنّهم، ما إن نالوا الروح القدس، بوضع يد بولس عليهم، حتّى شرعوا ينطقون بألسنة غريبة، ويتنبّأون. إنّ هاتًين الظاهرتّين، أعني ظاهرة النطق بالألسنة، وظاهرة التنبّؤ، هما علامتان حسّيّتان، وفارقتان، وحجّة دامغة، في وسط الكنيسة الأولى، على نيل الشخص الروح القدس. وعندما نقول إنّ هاتَين العلامتَين الدامغتَين هما دليلان على حلول الروح القدس، نعني تمامًا أنّ الذي حلّ الروح القدس عليه بات مسيحيًّا، وهيكلاً، وتلميذًا، ومؤمنًا، ومقدّسًا، وعضوًا مخلّصًا من أعضاء جسد المسيح السرّيّ، وأنّ الكنيسة الأولى، كنيسة الرسل الأوّلين، اعتمدت على هاتَين الظاهرتَين، لتقيم الدليل على عمل الله الفعّال، من خلال الجماعة، كما يظهر الأمر، بوضوح، من خلال حدث العنصرة، عندما أنشأ الرسل ينطقون بلغات مختلفة.
غير انّ الأمر لم يدُم طويلاً، على هذا الشكل، لأنّ بدَعًا متفرّقة انطلقت، أيّها الإخوة، ابتداء من القرن الثاني، ادّعى روّادها أنّهم يحوزون الروح القدس، وجرّوا، خلفهم، أعدادًا غفيرة من الناس البسطاء، وطفقوا يروّجون لتعاليمهم، في خطبهم، مستعيرين لمزاعمهم من العبادات المحلّيّة سندًا، لكي يربحوا أتباعًا، ومن بولس نفسه أيضًا مثالاّ لهم، إذ أعلن في رسالته الأولى إلى الكورنثيّين أنّه يفوق كثيرين منهم، في التكلّم بألسنة. واندثرت هذه الحركات، شيئًا فشيئًا، مع مرور الوقت.
في تباشير القرن العشرين، عادت ظاهرة التكلّم بألسنة إلى الظهور، تحت مسمّى العنصرة، وسرعان ما اتّخذت شكل تجمّعات دينيّة، يخطب فيها أشخاص من العامّة، من غير ما ليترجيّة معيّنة، ولا تقليد آبائيّ، ولا إرث روحيّ، ولا حتّى تذكار إفخارستيّ. وفي غياب الوعي، والحسّ الإيمانيّ، وسهر السلطة التعليميّة، وتراخٍ أسراريّ، نجح العديد من هذه الحركات في ضمّ مجموعات كبيرة من الأشخاص إلى ممارسات شعائريّة، يغلب عليها طابع الاختطاف، ويسودها مشاهد أشفية، وتملأها الأحاسيس، والهتافات. إنّ تعداد الحركات، المبنيّة على ظاهرتَي التكلّم بألسنة، والتنبّؤ، يبلغ المئات. وتعداد أعضاء هذه الحركات، التي تريد أن تمنح أنفسها صفة كنسيّة، يصل، اليوم، إلى قرابة الستّ مئة مليونًا ونيّف. وهو عدد لا يُستهان به.
أمام هذه اللوحة الإيمانيّة المتنوّعة، أيّها الأبناء المحبوبون، نعود فنذكّر بتوصية بولس أهل تسالونيكي: "امتحنوا كلّ شيء، وتمسّكوا بما هو حسن" (١تس ٥: ٢١). وبكلام يوحنّا في رسالته الأولى، حيث قال: "لا تصدّقوا كلّ شيء، بل امتحنوا الأرواح" (١يو ٤: ١). ولكن، بما أنّ عندنا، أيّها الأحبّاء، معموديّة واحدة، وربًّا واحدًا، وروحًا واحدًا، وإلهًا واحدًا، فلننظر إلى مبدئ الإيمان، ومكمّله، ولنسر بهدي روحه القدّوس، غير متلهّين، ولا عابثين، بمترفات الدهر، إذا أردنا حقًّا أن نرضي الله، في حياتنا.

+ جاورجيوس
متروبوليت اللاذقيّة وطرطوس وتوابعهما

Share this:

[back]