Media Center

لقاء في أزهر البقاع وكلمة لسيادة المطران ابراهيم راعي أبرشيّة الفرزل وزحلة والبقاع

10 January 2024
كلمة سيادة المطران ابراهيم مخايل ابراهيم في اللقاء الروحي البقاعي في ازهر البقاع.
اسمحوا لي ان اعبر عن سعادتي بلقاء مجموعة وجوه تعكس ما في داخل النفس من قيم والتزام وتمسك بالفضائل والتوجه بكل الصدق الذي فينا نحو الشعب الذي ينظر الينا ويرى فينا خشبة خلاص في ظل غياب عمل معظم السياسيين الذين يأتمرون بمرجعياتهم لا بإحتياجات شعبهم، ولا يعرفونهم عادة الا في زمن الإنتخابات.
نحن ليس لدينا زمن انتخابات، هناك انتخاب الهي ودعوة الهية كي نقوم بواجبنا في الخدمة دون اي مقابل، الخدمة المجانيةلشعب الله الذين اعطوا كرامة لا تقدر بثمن، وهذه الكرامة علينا جميعاً ان نحافظ عليها. فكلما ُأهينت كرامة الإنسان في لبنان، نُهان جميعاً لأننا مرتبطون بعضنا ببعض في مواجهة كل ما قد يهين او يقلل او ينقص من كرامة الإنسان. لا نعتقد ان هناك انسان يهان في لبنان ونكون نحن بعيدون عن هذه الإهانة. المسؤولية المشتركة الواقعة علينا تنطلق من مبدأ الإشتراك في مواجهة التحديات، لأن التحديات لا تختار جهة او شخصا او فردا او عائلة او شريحة من الوطن، التحديات تواجه الجميع. اذا اخذنا على سبيل المثال تحديات الأسرة وتماسك العائلة في هجمة هي بمثابة شبه حرب عالمية مدمرة للعائلة ولها اسلحتها المتعددة التي تواجهنا لأننا نؤمن بأن العائلة هي العصب الأساسي لقيام الإنسان والإنسانية، فاذا سقطت العائلة وتقوضت اسسها لا يبقى لنا اي شيء نتمسك به، وكل شيء يتفكك مع تفكك هذه العائلة. علينا اذاً مواجهة هذه التحديات معاً، وخصوصاً التحديات المشتركة، التحديات الأخلاقية، الوطنية، الإنسانية، المعيشية وغيرها من التحديات، اذا اخذنا على سبيل المثال التحديات المعيشية وحدها تشكل لائحة طويلة.
بالأمس تحدثنا معاً في لقاء خاص عن نفاذ الأدوية خصوصاً تلك المخصصة لعلاج مرضى السرطان، فأهلنا يموتون دون اي امل بأن يكون لهم شفاء، ونحن احياناً كثيرة صامتون. هذا الصمت الجماعي هو مأساة بحد ذاته علينا ان نتخطاه، هناك هيكلية فكرية او فلسفية او دينية معينة لا نستطيع تخطيها الا بتكسيرها احياناً، مع الأسف علينا ان نكسر بعض هذه الهيكليات الفكرية كي نتحرر ونطالب بما هو مشترك من اجل حماية كرامة الناس.
نحن نعيش اليوم عدواناً من داخل لبنان بسبب الفساد الذي يضرب المؤسسات، مؤسسات الدولة والمؤسسات الخاصة والمؤسسات العامة وكل المؤسسات بما فيها احياناً المؤسسات الدينية. كلنا نقول ان الإعتراف بالخطأ فضيلة، ونحن نخطئ كغيرنا من المؤسسات، علينا ان نبدأ بذواتنا كي ننطلق نحو الآخرين. اما العدوان الأقسى عل لبنان هو العدوان الخارجي الذ يتمثل اليوم بالعدوان الإسرائيلي على الجنوب. هذا العدوان يستبيح الكيان اللبناني والسيادة اللبنانية كل يوم اكثر فأكثر، هذه الإستباحة تتخطى حدود لبنان وكأن هذا الشرق العوبة في ايدي بعض الدول، لا نستطيع ان نؤثر في قراراتها ولا في تنفيذ قراراتها. مواجهة هذا العدوان ينطلق برأيي من التشديد على وحدة لبنان وعيش هذه الوحدة. نحن نقول العيش المشترك وقد تخطينا هذا التعبير لنقول العيش الواحد. العيش الواحد يعني ان لبنان عائلة واحدة: جغارفية واحدة، تاريخ واحد، لغة واحدة، تقاليد واحدة، اله واحد للجميع وهو يحب الجميع بالتساوي.
اذا انطلقنا من هذه المبادئ وأتينا الى بقاعنا الغالي نرى ان لبنان ينعكس في ازماته على حياة البقاع والبقاعيين، فنحن لسنا جزيرة منفصلة عن باقي الوطن ولو ارادها البعض جزيرة. نحن نشعر بأننا مهمشون داخل الوطن وان السلسلة الغربية غرّبتنا عن باقي الوطن وصارت حاجزاً طبيعياً ونفسياً وحاجزاً اعلامياً وخدماتياً وكأن البقاع جزء منفصل عن هذا الوطن. مسؤوليتنا ان نعيد البقاع الى ساحة الإهتمام الأساسي في الدولة اللبنانية وفي الإعلام اللبناني بنوع خاص وفي الخدمات. تهميش البقاع له مخاطر تنعكس على لبنان. اذا كانوا يظنون ان لبنان هو هناك فقط فهم يخطئون بحق كل لبنان وكل اللبنانيين لأن تهميش البقاع سينعكس سلباً على كل الوطن.
اما بالنسبة للوحدة، والبعض يفكر في اعادة دراسة وهيكلة الصيغة اللبنانية، الصيغة الحالية، أهي التي يجب ان تستمر وتبقى؟ ام اننا سنستبدلها بصيغة قد تزيد من مشاكل الوطن ومن انقساماته . اذا قلنا إن الصيغة الحالية هي الصيغة التي نختار، علينا نحن ان نكون مبادرين ومساهمين في إنهائها. اذا اردناها علينا الدفاع عنها والصيغة تنطبق على الجميع لأن لبنان هو وطن رسالة، وطن طوائف متعددة واديان مختلفة تعيش بوحدة مميزة لا شبيه لها في العالم، ولذلك هي اصبحت هدفاً لكثيرين في هذا العالم بأنه لا يجب ان تبقى هذه الصيغة. هذه الصيغة تشكل خطراً على الصيغ الإفرادية التي تعتمد الإتجاه الواحد واللون الواحد. ونحن من منطلق الحفاظ على هذه الصيغة علينا ان نلتزم جميعاً بحماية هذه الصيغة بدأً من ملئ الفراغ في سدة الرئاسة الأولى. لماذا لبنان اليوم وبعد اشهر طويلة يبقى دون رئيس؟ اين كرامة الجمهورية التي لا رأس لها؟ من الضروري جداً الا يستمر الفراغ، فإيجاد الرئيس هو رمزية مهمة مقدسة اذا اردنا ان نقدس الصيغة فعلينا ان نلتزم بكل تركيبتها وبكل عناصرها وجوهرها. وانا من منطلق اخوي ومن منطلق محبة اقول ان الوجود المسيحي في لبنان هو ليس وجود منفصل عن وجود المسلمين، هو وجود واحد للدينين والطوائف مجتمعة. المسيحيون عنصر مؤسس تاريخي من منطلق بدايات الوطن، والوجود المسيحي هو وجود، على مر التاريخ، لبناني، وطني، عروبي، منفتح يختار الحياة الواحدة لجميع اللبنانيين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية . هذا الوجود هو مسؤولية اسلامية-مسيحية مشتركة، لكن انا اقول انها مسؤولية اسلامية بامتياز، كما ان الوجود المسلم هو مسؤولية مسيحية بامتياز، اذا تخلينا عن هذا المبدأ فذلك يعني اننا تخلينا عن لبنان.
نحن في زمن محدودية الإمكانيات لكن لا يجوز ان نستسلم، بما لدينا من امكانيات نحن قادرون على تغيير هذا الوضع ومواجهة هذه التحديات وحلحلة الكثير من الأزمات والمسائل التي تعيق تقدمنا. هذه هي رسالتنا علينا ان نؤديها بكل امانة وبكل ثقة لأننا اذا آمنا بدورنا يصبح هذا الدور فعالاً، واذا لم نؤمن بدورنا وذواتنا نكون امام دورٍ يحتاج هو اولاً الى تطبيب والى اعادة نظر.
اشكركم على الإصغاء.
Share this:

[back]