Media Center
كلمة الراعي / الأحد 14 كانون الثاني 2024 من أبرشيّة اللاذقيّة وطرطوس وتوابعهما

13 January 2024
كلمة الراعي / الأحد ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٤
* الخِدَم الكنسيّة، بحسب القدّيس بولس
يقدّم بولس الرسول إلينا، أيّها الإخوة، في رسالة اليوم، لائحة بالخِدَم الكنسيّة، الشائعة الاستعمال، في أيّامه. ويعتبر هذه الخِدَم "نِعَمًا"، يوزّعها الروح القدس على المؤمنين. وقد سمعنا أسماءها: أوّلاً، رسلاً، ثمّ أنبياء، ثمّ مبشّرين، ثمّ رعاةً معلّمين. ويوضح القدّيس بولس هو نفسه الهدف من وجود الخِدَم، في الكنيسة: إنّها لأجل عمل الخدمة، ولأجل تكميل القدّيسين، ولأجل بنيان جسد المسيح.
سوف أجعل من أنواعالخِدَم الكنسيّة، ومن هدف تحديدها، موضوعًا لتأمّل اليوم، نظرًا إلى منفعتنا، وإلى التزامنا أكثر، أيّها الأحبّة، بالطبع، في حياة الخدمة. فنحن، كمؤمنين، لا نأتي إلى الكنيسة، لنحضر القدّاس، كما هو دارج قول ذلك، بيننا، بل نأتي لكي نشارك في القدّاس، كما هو مرجوّ منّا. الحضور شيء، والمشاركة شيء آخر. الحضور فاتر، أمّا المشاركة في القدّاس، فهي كناية عن مجموعة أفعال عمليّة، وحيّة، ونافعة، نقوم بها، لدى الاحتفال بإقامة الليترجيّا. بل إنّ هذه الأفعال عينها هي الليترجيّا.
علاوة على لائحة الخِدَم الكنسيّة هذه، المأخوذة من الفصل الرابع من الرسالة إلى أهل أفسس، يورد القدّيس بولس لائحة أخرى بالخِدَم الكنسيّة، في الفصل الثاني عشر، أيّها الإخوة، من رسالته الأولى إلى أهل كورنثس. ففي هذا الفصل الثاني عشر من الرسالة الأولى إلى أهل كورنثس، يتحدّث الرسول بولس، عن أنواع مواهب، وأنواع خدم، وأنواع أعمال. كما يسرد، بتفصيل، بعضًا من كلّ نوع موهبة، ونوع خدمة، ونوع أفعال.
وفي الفصل الخامس من الرسالة الأولى، التي أرسلها القدّيس بولس إلى تلميذه تيموثاوس، يتطرّق الرسول، إنّما باقتضاب، إلى الخِدَم الكنسيّة، كذلك. لكنّه يكتفي بذكر الكلمة، والتعليم.
ما يهمّنا نحن، أيّها الإخوة، اليوم، هو التوقّف، كما قلت، عند مسألتَين: مسألة الخدم الكنسيّة، ومسألة الهدف من وجودها.
أوّل ما يمكن ملاحظته، أيّها الإخوة، بعد أن استعرضت، على مسامعكم، المواضع، التي تمّ التطرّق فيها، إلى الخِدَم الكنسيّة، في الفترة الرسوليّة، هو طابع هذه الخِدَم الرعويّ، لا الليترجيّ، إذًا، ولا الإداريّ، ولا القانونيّ، ولا غير ذلك من المضامير، التي تجتاح المجتمعات، بل الإيمانيّ، بشكل رئيسيّ، وحصريّ. ما من مهمّة أخرى، على خادم الكنيسة، في الفترة الرسوليّة التأسيسيّة الأولى، ينبغي عليه أن يتفرّغ لها، سوى مهمّة التثقيف الدينيّ والروحيّ، وإرساء حجر الزاوية الرئيسيّ، في كلّ ما يتعلّق بالإيمان، في قلوب المؤمنين، وفي عقولهم.
بالفعل، إنّ الكنيسة هي، أوّلاً وأخيرًا، جماعة مؤمنين بتعاليم يسوع: من هو؟ ماذا قال؟ كيف عاش؟ أين هو، بالنسبة إلينا، اليوم؟ متى يمكن الاجتماع به؟ هل نحن، حقيقة، أتباعه؟ لماذا نتقاعس، كمؤمنين، عن تحقيق وصيّته؟ ما صدى تعاليمه، في حياة المؤمنين، المدعوّين باسمه؟ والشهادة له، أهي في اتّباعه، أم في استغلال الانضمام إلى جماعته؟ ليس على المؤمنين، أبدًا، أيّها الإخوة، ليس على الكنيسة، أن تعدّ الجواب الملائم عن هذه المسائل، في الفترة الرسوليّة الأولى؛ بل عليها فقط أن تتلقّى هي من خدّامها، ممّن دعاهم بولس "مدبّرين"، أو، نعتهم كاتب الرسالة إلى العبرانيّين، ب"مرشدين"، وآباء روحيّين، من أولئك، على جمهور المؤمنين، خصوصًا، أن يتلقّى الجواب الصحيح. لقد نُصّبوا خدّامًا، لكي يعظوا بالكلمة، ويعلّموها أفراد البيعة، التي يخدمون فيها.
ويُلاحَظ، ثانيًا، أنّ الخِدَم الكنسيّة، ذات الطابع الرعويّ، كما قلنا، الذي يسمها كعلامة فارقة، لا تنوّعت، فحسبُ، كما يقول القدّيس بولس، في الرسالة الأولى إلى الكورنثيّين، بل تبدّل بعض منها، أيضًا، قياسًا إلى الخدم عينها، في يومنا الحاضر. فالرسل لم يعودوا، بيننا. والأنبياء، كذلك. أمّا سائر الخِدَم، أي المبشّرون، والرعاة، والمعلّمون، فلا تزال قائمة. وهي التي ارتكزت عليها جماعات دينيّة، في ما بعدُ، لا على سواها، من أجل أن تنشئ كنائس، على امتداد قارّات الكرة الأرضية، مستفيدة من زوال خدمة الرسل، وخدمة الأنبياء، الغابرتَين، من ناحية، ومن العناية بالخِدَم الأخرى، أعني خدمة التبشير، وخدمة الرعاية، وخدمة التعليم، الكنسيّة، من ناحية أخرى.
ما يمكن ملاحظته، ثالثًا، أيّها الأحبّاء، أنّ خدمة الرسل امتازت بتأسيس كنائس رسوليّة، حافظت، حتّى اليوم، بعد ألفي عام من انطلاقة الكنيسة، على كرامتها، المشهورة، لدى جميع المحافل، الدينيّة والمدنيّة، والمعترَف لها بها، بوقار. وقد صارت تلك الكرامة الكنسيّة الرسوليّة بمثابة حظوة، لمؤمني الكنائس، ورؤسائها، يفتخرون بها، على رؤوس الملإ، ويتنعّمون، كذلك، بامتيازاتها، في الوقت عينه. فإذ إنّ عندهم مثل هذا الإنعام، لكونهم خلفاء الرسل، على كراسيّهم، يضطلعون بخدمتهم الكنسيّة، على وفق الخدمة، التي آلت إليهم، عن طريق الخلافة الرسوليّة، متنكّبين مهامّ الشهادة الصالحة للسيّد، له المجد، بكلّ أمانة، ووعي، وتمييز، كيلا يلحق خدمة الرسل، في الكنيسة، أقلّ مشتكى، أو عيب.
هكذا خدمة النبوّة، في الكنيسة، التي عرفتها حقبة الرسل، هي الأخرى أخلت مكانها لخدمة كنسيّة أخرى، يجب المحافظة عليها. ما من نبيّ تكلّم، من عنديّاته، أي من بديهيّاته، ومن إملاء قريحته، أيّها الإخوة، بل بإيحاء من روح الله القدّوس، ولأجل عمل الخدمة. لقد كان، في كلّ كنيسة أنبياء، في الحقبة الرسوليّة، أشخاص ممتلئون من روح الله، بوسعهم أن يروا مستقبل الجماعة، وأن يرشدوها إلى ما فيه خير أعضائها، رجالُ صلاة، وتأمّل، نذروا أنفسهم لفحص كلمة الله، ولسبر أحوال الجماعة، سعيًا منهم إلى أن يسيروا بها، إلى الأمام، حسب مرضاة الربّ. أولئك الأنبياء أخلوا مكانهم، اليوم، إلى آخرين، يعيشون، في حضن الكنيسة، في صمت، بعيدًا عن مظاهر الفخامة، نسمع، بين الحين والآخر، صوتهم ينادي، كي تستقيم سبل الربّ. قليلون، من حيث العدد؛ إلاّ أنّهم موجودون، بيننا.
أختم، أيّها الأبناء المحبوبون بالربّ مخلّصنا، بالتطرّق سريعًا، إلى الهدف، الذي تطلّع بولس إليه، وهو يحدّثنا عن الخِدَم، في الكنيسة. فالهدف، كما يوضحه هو نفسه، هو خدمة الجماعة، أي وقف الذات على تأمين احتياجاتها الروحيّة، ومواكبتها، لا من أجل مكسب خسيس، أو التنعّم بخيراتها، والإفادة من الوفرة، التي عندها، ونيل بعض إنعاماتها، بل من أجل حفظها، وإرشادها، ومباركتها. إنّ استغلال عمل الخدمة يشوّهه، ويدعى متاجرة بالتقويّات. ويحدّد بولس نفسه هدفًا ثانيًا، للقيام بالخِدَم الكنسيّة، هو تكميل القدّيسين. القدّيسون هم المؤمنون، أبناء الرعيّة. إنّ مهمّة الخادم هي أن يتمتّع هو بدرجة عالية من القداسة، لأنّ الإنسان لا يقدر أن يعطي ممّا ليس بين يدَيه. وإذا قصّر خادم الكنيسة في تقديس نفسه، قصّر في بلوغ الهدف من اضطلاعه بخدمة كنسيّة، أيضًا.أخيرًا، أيّها الأحبّة، عندنا بنيان جسد المسيح هدف سامٍ، ومسؤوليّة كبرى. كم ينبغي أن ينمو حسّ الخدّام، حتّى يعوا، حقًّا، ما هم منتدَبون إليه.
+ جاورجيوس
متروبوليت اللاذقيّة وطرطوس وتوابعهما
Share this:
