من الكواكب الرهبانية اللامعة في القرن السابع. ولد في القسطنطينية سنة 580، من أسرة غنية، وأضحى من جهابذة الأعلام. فاختاره هرقل رئيساً لديوانه، وصار صاحب الرأي، يتسابق الأمراء الى نيل رضاه. لكنه كان في الوقت نفسه رجل الواجب مع الله والناس. لكن تأمله الدائم في غرور الحياة وسرعة زوالها حمله على ترك كل شيء والذهاب الى دير قريب من العاصمة يدعى خريسوبولي (أي مدينة الذهب) حيث تنسّك.
عكف على النسك بثبات، وما لبث أن اختاره الرهبان للرئاسة. فكان المدبّر الحازم والأب العطوف. وبينما كانت الجيوش الفارسية تهاجم القسطنطينية، اضطرّ مكسيمس أن يترك ديره وخلوته ويهرب مع اثنين من تلاميذه الى أفريقيا ليمارس هناك حياة العزلة والصلاة ومناجاة الله. وكانت بدعة المونوثليين القائلين بالمشيئة الواحدة في المسيح قد سرى سمّها في الشرق، وكان صفرونيوس بطريرك أورشليم يحاربها. فاندفع مكسيموس يهاجمها ويدافع عن إيمان الكنيسة.
وبعد موت صفرونيوس بطريرك أورشليم سنة 638 تألّب البطاركة والملك على مكسيمس فلم يسكت ولم تثنِ التهديدات عزمه. وجادل يوماً في أفريقيا البطريرك بيرس الهرطوقي علناً فأفحمه أمام الشعب سنة 645. لأنه أضحى حامل العلم الأول في ميدان الدفاع عن الإيمان القويم، صوّب الهراطقة سهامهم إليه. والتأمت مجامع عديدة في أفريقيا حضرها مكسيموس، وذهب الى روما. فعقد البابا مرتينس مجمعاً حافلاً في كنيسة اللاتران سنة 649، وحرم تلك البدعة والبطاركة سرجيوس وبيرس وبولس وكيرس، وأنحى باللائمة على مرسومَي الملكين هرقل 638 وكونستان 648.
واجتاح الفرس البلاد، ووصلت طلائعهم الى العاصمة. ثم عقبهم العرب فاحتلوا البلاد الشرقية كلها. فسكتت الدنيا المسيحية الشرقية وأغلقت المدارس الكبرى في الإسكندرية وانطاكية وقيصرية وبيروت والرها، وصمتت الأصوات التي دوّت في هذه المدارس. وفي أوائل القرن السابع، شعر ملوك القسطنطينية وبطاركتها بأن زمام الأمور أوشك أن يُفلت من أيديهم وأن المنوفيزية القائلة بالطبيعة الواحدة في المسيح فصلتهم عن الشعوب الشرقية، فراحوا يفتشون عن مخرج لهم من حرجهم هذا. فاتفق سرجيوس بطريرك القسطنطينية وهرقل ملكها مع بولس رئيس الأرمن المنوفيزيين على حل وسط، وهو أن يقبل البيزنطيون بالقول بمشيئة واحدة أو بعزم وفعل واحد في المسيح، وأن يقبل النوفيزيون بالطبيعتين في المسيح بحسب المجمع الخلقيدوني 451. وفي سنة 626 اتفق على هذا الرأي سرجيوس بطريرك القسطينطينية وأثناسيوس بطريرك الأرثوذكس وكيرس بطريرك الإسكندرية. وأوهموا البابا هونوريوس أن صفرونيوس ورهبان فلسطين ينسبون الى المسيح مشيئتين متناقضتين.
في غضون ذلك سار هرقل على رأس الجيوش الرومانية فدحر الفرس وجلاهم عن مصر وسوريا وآسيا. ثم ظهر العرب، فأراد هرقل أن يجعل حدّاً للمشاحنات الدينية ليتفرّغ للدفاع عن المملكة، فأصدر مرسوماً فيه منع الكلام عن مشيئة أو مشيئتين سنة 638 ودعا مرسومه Ecthèse "شرح الإيمان". فقام مكسيموس وحارب المرسوم وثار الغرب على الملك وعلى البطريرك سرجيوس الذي أوحى للملك بالمرسوم.
ومات هرقل سنة 641 وخلفه كونستان الثاني وأصدر مرسوماً شبيهاً بالأول سنة 648 دعاه "تيبون اي الأنموذج". فرفضته الدنيا بأسرها وعلى رأسها مكسيموس والبابا مرتينس. فصبّ الملك عليهما غضبه وأماتهما في المنفى. والتأم في أواخر القرن السابع المجمع المسكوني السادس في القسطنطينية سنة 681 وحرم المونوثليين ومرسومَي هرقل وكونستان وسرجيوس وبيرس وبولس بطاركة القسطنطينية وبطريرك الإسكندرية... الخ.
سمع الملك كونستان بما حدث في أفريقيا وقرار مجمع اللاتران، وأن مكسيموس كان يتزعم تلك الحملة، فثار عليه وأرسل أمراً الى ازاركا النائب الملكي في مدينة رافنا بالقبض على مكسيموهس. فأرسله مقيداً مع اثنين من تلاميذه وهما انسطاسيوس أبو كرساريوس (أي المسجّل) وانسطاسيوس الراهب الى القسطنطينية فبلغوها سنة 653.
وهجم الجند في الميناء على مكسيموس وعرّوه من ثياب الرهبانية وجرّوه عارياً مهاناً في الأزقة وكان فرحاً لأنه يتألم من أجل الإيمان. وليبرّروا موقفهم اتهموه بالخيانة العظمى للدولة، فساقوه أمام ديوان الملك بهذه التهمة. ولكن لم يثبت عليه شيء. فأعادوه الى السجن وأرادوا أن يقنعوه بوجوب الخضوع لإرادة الملك ومرسومه. فلم تنجح مساعيهم، وأرسلوه الى المنفى مع تلميذيه بعد أن فرّقوا بينهما وأذاقوهما العذاب على الطريق وتركوا مكسيموس في مدينة بتيسيا ورفيقيه في أمكنة أخرى.
وفي سنة 656 أرسل الملك الى مكسيموس ثاوذوسيوس مطران قيصرية من رؤساء البدعة وقنصلين من البلاط ليقنعوه بقبول المرسوم الملكي "التيبون". لكن الوفد أخفق في مهمته، واقتنع بكلام وبيان مكسيموس. وأمر الملك بإعادته الى دير القديس ثاوذوسيوس في أركا بالقرب من القسطنطينية وأعاد اليه تلميذيه وأرسل من يتملّقه بالوعود الخلاّبة فلم يلاقوا سوى إرادة لا تنثني. فهجموا عليه بلا حياء وأوسعوه ضرباً وشتماً. وأحضروه بعد أيام مع تلميذيه أمام محفل من الأساقفة وأمروه بأن يحرم البابا مرتينس والقديس صفرونيوس ويقبل "التيبون". فأبى وانبرى يبيّن ضلالهم فخلبهم بفصاحته. إلا أن حب الدنيا صمّ الآذان عن سماع الحق.
ولما أعيتهم الحيل رشقوه بالحرم الكبير وأمروا بقطع لسانه ويده اليمنى وكذلك فعلوا بتلميذيه، وأرسلوهم الى المنفى في بلاد لاتسيا (خراسان).
وقضى مكسيموس سنين طويلة في المنفى. ومنحه الرب النطق بأعجوبة فائقة ومات سنة 662.