Media Center
كلمة راعي أبرشيّة اللاذقيّة وطرطوس وتوابعهما ليوم الأحد 28 ك2 2024

كلمة الراعي / الأحد ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٤
* كيف خنق الإنسان فكرة الخطيئة؟
لا بدّ لنا، أيّها الأحبّاء، من أن نرجع إلى ما يرويه لنا الكاتب الملهم، في ما يتعلّق بالإنسان الأوّل، الرجل والمرأة، عندما كانا لا يبرحان يعيشان، "بقرب الخالق"، قبل أن يهبط بهما إلى الأرض، بعيدًا عنه، كيما نجد الجواب عن السؤال الكبير: "كيف خنق الإنسان فكرة الخطيئة؟"، فيه.
لقد سمعنا، اليوم، في نصّ الرسالة، كلامًا، بالحقيقة، يتفوّه به القدّيس بولس، يتعلّق بفكرة الخطيئة، جاء فيه: "... أنّ المسيح يسوع قد أتى إلى العالم، ليخلّص الخطأة، الذين أنا [بولس] أوّلهم..."! ويضيف رسول الأمم، على الفور، بعد ذلك، مشدّدًا على أنّه، رغم كونه الخاطئ الأوّل، قد نال من لدن الله، رحمة، لغاية واضحة، ومحدّدة، هي التالية: لكي "يُظهِر يسوع المسيح فيّ، أنا أوّلاً، [كما يقول]، كلّ أناة، مثالاً للذين سيؤمنون به، للحياة الأبديّة". إنّ الإطار، الذي يحوّط به القدّيس بولس فكرة الخطيئة، هو إطار، أيّها الأبناء المحبوبون بالربّ، له علاقة بخلاص الإنسان. فلا كلام، إذًا، يستوي الخوض فيه، على الخلاص، ولا لحديث عن تجسّد ربّنا يسوع المسيح، المخلّص، يحتلّ مكانًا له، ولا لممارسة المؤمن عبادته معنى، بعدّ، في حال غابت الخطيئة، عن الساحة، إذ بسببها، قد أجرى الله، في المسيح يسوع ربّنا، كامل قصده الخلاصيّ، من إرسال الأنبياء، والكشف عن وصاياه، وإعداد النفوس، وإرسال الابن، والفداء، بالموت على الصليب. ليس للخلاص مكان، في المسيحيّة، بدون الخطيئة. وهذه باتت مخنوقة، على يدَي من يجب عليه أن يحيا، بسببها. لذا، من المنطقيّ أن يتأثّر كلّ إنسان، من جرى ذلك، لا بالخلاص المُهدى، بل بالخلاص المُنال.
وفي الحقيقة، نجد فعل الخنق، الذي يرتكبه الإنسان، بحقّ نفسه، منذ أوّل لحظة، تنفّس فيها نسمة حياة، بجوار خالقه: حدث ذلك، عندما أنشأ، رجلاً وامرأة، يخاطب مبروءًا آخر، مثله، غير الله، الذي برأه، وبرأ كلّ بهيمة، تدبّ، على سطح الأرض. ففي نصّ التكوين، الذي يخبر فيه الكاتب الملهَم، بأسلوبه الشيّق، والمليء بالعبرة القصصيّة، عن خطيئة آدم، يروي دخول هذا، المرأة والرجل معًا، في حوار، يتجاذب فيه الحديث، مع كائن مجهول المنشإ، بالنسبة إليه، لكنّه يعيره مشتهى قلبه، فيعمل، على حسب ما يرسمه. إنّ في هذا الحوار بذرة الخطيئة، قبل أن تحبل، وقبل أن تلد تعدّيًا على أحكام الله.
بالفعل، عندما ينشئ المخلوق علاقة إصغاء مع مخلوق آخر، سواء أكان عاقلاً، أم حيوانًا، أم نباتًا، أم جمادًا، أم كان نزوة من النزوات، إنّما يشرع في وضع سقف لنفسه، لن يسمح له بأن يعلو، عبره، إلى ما فوق، إلى المجال الأسمى، وإلى فضاء أرحب، حيث الخالق يتربّع على عرش مجده، بلا غريم. لا يقدّم المخلوق، مهما كانت مرتبته، بين سائر المخلوقات، قدرًا أعظم من المستوى، الذي يلبث فيه، ما لم يتعالَ، إلى دائرة الذي خلقه، ولن يستطيع أن يقدّم، معتمدًا على ما عنده.
لننظر، أيّها الإخوة، إلى الحديث، الذي قبل الإنسان الأوّل، أي المرأة حوّاء، والرجل آدم، أن يجريه مع الحيّ الآخر، أي الحيّة، المجبولة مثله، وإلى حديث الإنسان مع ذاته، حديث حوّاء مع آدم: ماذا نجد فيهما، في هذين الحديثَين؟ نجد هذا: إغراء بحالة عيش، تزيّن الحيّة للإنسان أنّها حالة أفضل من حالته الراهنة. ونجد تمويهًا، كذلك، للحقيقة، التي ينوي الإنسان أن يبقى متمسّكًا بحبائلها. ونجد إقصاء مُجِدًّا، ثالثًا، من قِبَل الحيّة، لفكرة الله، والأمانة لمشيئته. ونجد، أيضًا، أيّها الأحبّة، تباحثًا، ومناقشة، في الموضوع، بين الإنسان ونفسه، بين آدم وحوّاء، وهذا يُدعى السقوط في الخطيئة. ونجد قبولاً، من ثمّ للفكرة، من قبل الإنسان، بأن يختار الغرور، ويبتعد عن الله، جابله. ونجد الفعل، أخيرًا، الذي لم يمنع الله الإنسان عنه، كي يكون الإنسان كلّه إنسانًا، لا إلهًا.
فهذه السلسلة المتلاحقة من الهفوات، التي ما إن تشرع الواحدة بالعمل، حتّى تستتبع الأخرى، خلفها، ما هي، في نهاية المطاف، سوى المراحل المتلاحقة نفسها، التي تتكوّن الخطيئة منها. إنّ هذه هي، بالتحديد، كناية عن مشروع، ينوي الإنسان، ذكرًا وأنثى، آدم وحوّاء، أن يسير فيه، لأنّه يجعله مشروعه الخاصّ، إلاّ أنّه يبتعد به، تلقائيًّا، عن الله، الذي يدعه تعالى اسمه يحقّق ذاته، بتنفيذه، من غير أن يردعه. هي اللقمة، التي تناولها يهوذا، جليس الربّ، على مائدة الفصح، فيما الأخير يقول له: "ما أنت فاعله، افعله"! هي الاستهزاء، الذي طفق أئمّة الشعب يرشقون به الربّ المعلّق على الصليب، فيما هو ينظر أسفلُ إليهم، ويقول: "اللهمّ، لا تُقِم عليهم خطيئتهم، لأنّهم لا يدرون ما يفعلون"! هي مقاومة بولس العنيفة طريق الربّ، لا باستهجان الإيمان، الذي أخذ به التلاميذ فقط، بل بالالتزام أيضًا باضطهادهم، فعلاً وسعيًا. وهي هي عينها، اليوم، أيضًا، كلّما استمع أناس عصرنا، إخوتي الأحبّاء، إلى أصوات المنادين بتأليه المادّة، وبالتضييق على المؤمنين، واضطهادهم.
أمّا خنق الخطيئة، فإن هو، أيّها الإخوة، إلاّ أن يتبنّى الإنسان مشروعه، بمراحله، التي ذكرناها، مرحلة فمرحلة، صامًّا أذنيه عن وصايا الله، ومشرّعًا أبواب عقله لتسلّل إبليس، عدوّ الإنسان والله، معًا، إلى قلبه، وسالكًا، بعد ذلك، في طريقه المعوجّ، مرحّبًا بما يقدّمه له إبليس. إنّ خنق الخطيئة يدعى "التجديف على الروح القدس"، في الإنجيل الشريف. هو صوت معادٍ لصوت روح الربّ، في داخل الإنسان، قائلاً له: "لم اختبأت، عندما سمعت صوت قدميّ؟". وهو تجديف، لأنّه النطق، بالحقيقة، بكلمات تهين كلام الله، وتمجّد كلام الجبلة.
خذوا الاحتيال، أو التكبّر، أو السرقة، أو أيّ قبيحة من القبائح، التي ترتكب، على يد الإنسان. متى أقدم أحد الأشخاص على اقترافها. إنّما يكون قد قطع مراحل عديدة، قبل أن يجعل منها، فعلاً. لقد قبل عقله، وقلبه، وضميره، ونفسه، في نهاية الأمر، أن يتبنّى مشروع الاحتيال، أو التكبّر، أو السرقة، أو الرذيلة. وأصبح لديه مشروع، يلتزم في السير به، بعد إغراء، ومجادلة، واقتناع بمضمونه. لقد أفسح للنقيصة مكانًا، لكي تدخل إلى بيته الخاصّ، إلى ذاته، وتقيم هناك. لا بل ثمّة أكثر من هذا أيضًا: إذا وجد مثل هذا الإنسان أنّ عمله أثمر، وأنّ تجارته ربحت، وأنّ رغبة قلبه ارتوت، تحوّل عن أن يعتبر نقيصة ما هو نقيصة، إلى أن يعتبره حذقًا، ومهارة، وضرورة، لا غنى عنها، أو أن ينظر إليه نظرته إلى إنجاز، ومكسب، هو مستعدّ لأن يحافظ عليه، مهما كلّفه الأمر ثمنًا. فلا يكتفي، إذًا، من بعدُ، بأن يرتكب الخطيئة، بل يدافع عنها، مستميتًا، كيلا تفارقه، يومًا. إنّه قد خنق الخطيئة، التي فيه، لأنّه لم يعد يفقه أنّها خطيئة، ولا عاد يقبل أن تدعى بهذا الاسم، بل لم يعد مستعدًّا أن يتخلّى عنها، إذ وجدها شهيّة للمأكل.
كيف بوسع مثل هذا، أيّها الإخوة، أن يقبل بمخاطبة الله، قائلاً، من عمق القلب: "اصرف وجهك عن خطاياي"، وهذه لا وجود لها، عنده؟!
+ جاورجيوس
متروبوليت اللاذقيّة وطرطوس وتوابعهما
