Media Center

الدنس دنس الروح أيضًا" كلمة الراعي من أبرشية اللاذقيّة وطرطوس وتوابعهما"

18 February 2024
كلمة الراعي / الأحد ١٨ شباط ٢٠٢٤
* الدنس دنس الروح أيضًا
في رسالة اليوم، أيّها الإخوة والأخوات، في المسيح يسوع، ربّنا، وهي الرسالة الثانية، التي بعث بها القدّيس بولس إلى أهل كورنثس، يحضّ هذا الغيور المؤمنين، الذين تسلّموا الرسالة، في القديم الغابر، والذين سمعوا تلاوتها عليهم، اليوم، على حدّ سواء، يحضّ الجميع على أن يطهّروا أنفسهم من كلّ دنس، للجسد، والروح، كما يقول. إن كان مؤمنو الأمس قد أدركوا ما أراد الرسول قوله، فهل مؤمنو اليوم يدركون هم أيضًا مغزى كلماته؟ أم أنّ ما فات فهمه، ربّما، في الماضي، لغموضه على عقول المؤمنين، من جهة، ولجدّته، بالنسبة إلى مداركهم، من جهة ثانية، في ذلك العصر، يمكنه، اليوم، أن يتلقّى وضوحًا، وتفسيرًا، بالنسبة إلى مؤمني هذه الأزمنة؟ أم بقي كلام الرسول، الذي يفهمه كلّ من يقرأ فحواه، أو يستمع إليه، كلامًا سرياليًّا، لا يلامس الواقع، ولا يجد صدًى، عند أبناء عصرنا؟
لقد تطرّقت الشريعة الموسويّة إلى موضوع الدنس، الذي يلحق بالمؤمن، في سفر الأحبار، المعروف أيضًا باسم سفر اللاويّين، وإلى أحكامه المتنوّعة. ففي الفصلَين: الخامس، والحادي عشر منه، خصوصًا، نجد، أيّها الإخوة، عرضًا مسهبًا، بهذا الخصوص. لا تحصر الشريعة المذكورة الدنس بأحوال الجسد، فيمسي محرّمًا على كلّ ذي جسد الدنوّ من القدسيّات، ما لم يتطهّر من دنسه. فالدنس، في نظر الشريعة، يفقد الذي يصيبه كرامته، ككائن خلقه الله. بل ثمّة أكثر من هذا، بالنسبة إليها، إذ تعتبره معديًا، أي أنّ الجماعة كلّها تغدو معرّضة لفقدان مهابتها، بإزاء الخالق، لمجرّد أنّها تعقد علاقة مع الإنسان الدنس. ويتحتّم عليها، من ثمّ، أن تتطهّر أيضًا. ففي نظر شريعة موسى، المجتمع واحد، سواء في حالة الرذيلة المرتكبة، أم في حالة الكرامة! وهو مسؤول عن منزلة كلّ فرد، في نظر الله.
سادت هذه الرؤية التضامنيّة، حيال الدنس والطهر، وسط الجماعة البشريّة، الحقبة الممتدّة من زمن موسى النبيّ، إلى زمن داود، أوّل ملك على الشعب، الذي عُدّ نبيًّا هو أيضًا من النبيّين، أي مدّة تربو على أربع مئة سنة. ولكنّها ما لبثت أن تطوّرت، على يد الأنبياء اللاحقين، الذين بعثهم الله هداة للشعب، بعد أن حلّ به ما حلّ من شرّ عظيم، إذ فقد كيانه، بالكامل، لمّا أتى البابليّون، ودمّروا هيكل سليمان النبيّ، وسبوا أهل المملكة، وشرّدوا سكّان البلاد، ونهبوا، وأسروا، وأذلّوا أبناء الشعب. فقد رأى الأنبياء في الكارثة، التي حصلت، نتيجة حتميّة لاستشراء الدنس، على يد أبناء الشعب أنفسهم، لا على صعيد دنس الجسد فقط، بل على صعيد الآداب، والأخلاق، أيضًا. فاعتبروا الكذب، والسرقة، والخداع، والفساد، والحلف زورًا، والجشع، وغير ذلك ممّا يلطّخ الخلق، أدناسًا، أي قبائح، لا يرضى الله عنها. وما لا يرضي الله، لن يؤتي إلاّ بلاء، وغضبًا، بلاء للشعب، وغضبًا من قبل الله عليه.
كان على الشعب، أيّها الأحبّة، أن يتّعظ، منذ زمن موسى، وبأن يفهم أنّ الدنس قبيحة، يجب الإعراض عنه. كان عليه أن يحول دون انتشاره، على مستوى الجماعة. وكان لزامًا عليه أن يعاقب مرتكبه، برهانًا على عدم القبول بما اقترفه من أمر منكر. كان بإمكانه أن يتجنّب الكارثة، وأن يبعد أهوالها عن رقاب المئات، بل الآلاف، من بني الشعب، وأن يهرب من سفك دماء كثيرة، بمجرّد هروبه من موبقات الشرّ. غير أنّ الدنس، على ما تسمح به قراءة الواقع، الذي فرض نفسه، قديمًا، غلب الإرادة الحسنة، وتفوّق على الشريعة المنصوص عليها، ووطئ التزام الجماعة، حيال الشريعة، وحيال مُصدِر الشريعة، أي الله، وتسرّب إلى أيدي معظم الناس. لا هذا فقط، بل إنّ الشعب نفسه، الشعب، الذي كانت، لديه، شريعته المنزَلة في كتاب، اسمه توراة موسى، والشعب، الذي بعث الله أنبياءه إلى وسطه، على فترات متعاقبة، قد قسّى قلبه، وأغمض عينيه، وتاه بعقله، وتمرّد على الله، وعاند، أيضًا، مرّة ثانية، بعد أن رفده الله برسله، وأنبيائه، ومعلّميه، وأتقيائه، المخلصين، والأوفياء، غير مكترث لا لشريعة موسى، ولا لتعاليم الأنبياء. فحمل نير الاحتلال الإغريقيّ، ثمّ الرومانيّ، على كاهلَيه، سنوات طويلة، عقابًا له.
إنّ شريعة الدنس، والطهارة منه، المتّصلة بالجسد، والأخلاق، لقيت تتمّة لها، على يد ربّنا يسوع، أيّها الإخوة. ففي مَثَل الفرّيسيّ والعشّار، علّم كيف يتبرّر الخاطئ. وفي مَثَل السامريّ، الذي رحم من وقع، بين أيدي اللصوص، علّم معنى الإحسان الحقيقيّ. وفي اللقاء مع المرأة الزانية، علّم التنقيب في النفس عن الخطيئة. وفي جوابه على اعتراض الفرّيسيّين والكتبة على مخالفته وصيّة السبت، علّم عظمة الإنسان، في نظر الله، وأفضليّته، تجاه الناموس. وفي موضوع الزنى، علّم العمل على تنقية النيّة، وحشمة العينين. وفي حواره مع تلاميذه، حول شريعة الطلاق، علّم التنبّه إلى قساوة القلوب، في الموضوع. وعند إرساله تلاميذه إلى العالم، علّم عفاف الخدّام.
امتدح الربّ إيمان المرأة الكنعانيّة، والقائد الرومانيّ، وارتضى أن يدخل إلى بيت زكّا العشّار، وخالط الخطأة، وزكّى المرأة، التي دهنت قدميه بطيب، وطهّر الهيكل من التجّار، الذين اتّخذوه مكانُا لعرض بضاعتهم، ولم يأنف أن يمكث، عدّة أيّام، في مقاطعة السامريّين، على أثر اهتداء امرأة سامريّة، مظهرًا منظورًا جديدًا لمعنى الدنس، والطهارة، لا رابط بينهما، وبين النصوص الشرعيّة. ثمّ، في آخر الكلّ، غفر للّصّ اليمين آثامه الكثيرة، بكلمة، ولصالبيه جهلهم، صافحًا عنهم.
أيّها الإخوة والأخوات الأحبّاء، حوّل ربّنا يسوع الدنس من فعل شرعيّ، وجانب أدبيّ، إلى لطخة، تمسّ نفس الإنسان. وحوّل الطهارة، كذلك، من تكفير طقسيّ إلى توبة. بات الدنس، بحسب منهج الربّ، مخالفة لحضور الروح القدس، الساكن في نفس الإنسان، وإنكارًا لسماع صوته، الصادح فيها. متى أصمّ الإنسان أذنَيه عن سماع تعليم الربّ، ومتى شلّ عقله عن تتبّع إيحاءاته، ومتى انكفأ عن فحص إرشاداته، ومتى ضرب صفحًا عن التقوى، جدّف. لأنّه راح يعير أذنَيه إلى تعليم إبليس، وأخذ يفكّر بحكمة أهل العالم، وطفق يعمل بنصائح مامون. واستثمر في القدسيّات، غير عابئ بالحرام، ومتصلّبًا في عمى قلبه. حين إٍذٍ، يدنّس جسمه، وعقله، ونفسه، بدون خجل.
أمّا الطهارة، أيّها الإخوة، بحسب منهج الربّ نفسه، فغدت تقديسًا للذات، أي التحامًا بهدايات الروح، وتفاعلاً معها. تبدأ مسيرة الطهارة هذه بالعودة إلى الذات، والندم، بقلب منسحق، على الإساءات، التي أهانت حضور روح يسوع الربّ فيها، وتعبر بالتواضع، والإماتات، والصلوات، التي ترسّخ طهارات الذات، ثمّ تتقدّم، صعودًا، في معارج الفضيلة، بالإحسان، والصفح، والاسترحام، والوداعة، إلى أن يملأ الفرح الروحيّ خلجات النفس، عوض الاغتباط بتكديس جمّ من الأطماع، التي لا حدّ لها، ولا كفاية.
+ جاورجيوس
متروبوليت اللاذقيّة وطرطوس وتوابعهما
Share this:

[back]