Media Center
الثامن عشر من آذار تذكار القدّيس كيرلّس أسقف أورشليم من رعيّة مغدوشة، جنوب لبنان

18 March 2024
هو من كبار آبائنا القدّيسين الشرقيّين ومن أئمّة معلّمي الكنيسة. ولد كيرلّس في مدينة القدس، أو في ضواحيها، سنة 315. ودرس الآداب اليونانيّة وبرع فيها. وقرأ الفلاسفة الوثنيين حتى صار يعرف كتبهم ومواضيع الضعف منها، لكنّه تعمّق على الأخصّ في درس العلوم الدينيّة والكتب المقدّسة حتى ألمّ بها كلّها، فامتلأت منها مواعظه وكتاباته. وحفظ تآليف الآباء القدّيسين الذين سبقوه، فاضحى ملفّان عصره وعلماً خفّاقاً في سماء دهره.
فرسمه القدّيس مكسيمس أسقف أورشليم كاهناً نحو سنة 334، ووكّل إليه الوعظ والإرشاد، لِما كان عليه من غزارة العلم وفصاحة اللسان. فأقام على ذلك ستة عشر عاماً، يعلّم عقائد الديانة المسيحيّة والأسرار الإلهيّة للمهتدين حديثاً من الوثنيّة واليهوديّة، ويلقي أيضاً مواعظ الآحاد أمام جماهير المؤمنين، الذين كانوا يتسابقون الى منبره، ويزاحم بعضهم بعضاً لسماع فصاحته والتقاط درر تعاليمه.
وقد وصل إلينا ثلاث وعشرون من تلك المحاضرات الإرشادية (Catéchèses)، يشرح في الثماني عشرة الأولى منها قانون الإيمان، وفي الخمس الباقية أسرار المعمودية والتثبيت والقربان المقدّس، وهي الأسرار الثلاثة التي كان المؤمنون يقبلونها في يوم واحد، إذ كانوا يعمّدون ثم يثبّتون ثم يتناولون جسد الربّ. وتلك المحاضرات هي سلسلة ذهبية ممتابعة الحلقات في شرح العقائد المسيحيّة، واضحة الأسلوب، متينة البرهان، تثبت بجلاء، ولا سيّما ضد البروتستان، إنّنا نحن معشر الكاثوليك لا تزال على ما كان عليه آباؤنا في الإيمان، نقول قولهم، ونسير على منوالهم مقتفين آثارهم. ولنا كلام مفصل في ذلك سوف نعود إليه.
ورقد بالربّ مكسيمس أسقف أورشليم. فأجمع إكليرس المدينة المقدّسة وشعبها على انتخاب كيرلّس خلفاً له. فسيم أسقفاً، وأخذ يسوس رعيّته بكل ما أوتيه من تقوى راهنة وغيرة متّقدة وعلم زاخر.
وحدث في أول أيام حبريته معجزة عظيمة عمّ خبرها في كل الآفاق. وتفصيل ذلك أنّه في اليوم السابع من شهر أيار (مايو) سنة 351، عند الساعة التاسعة صباحاً، ظهر في السماء صليب عظيم من النور، وامتد من جبل الجلجلة الى جبل الزيتون. وأخذت أنواره الساطعة تتلألأ فوق المدينة المقدّسة، من طرفها الغربي الى طرفها الشرقي، على مسافة نحو ثلاثة كيلومترات. وسارع الناس أفواجاً الى كنيسة الجلجلة حيث صُلب الربّ، وقد اعتراهم مزيج من الخوف والفرح، وأتوا يسبّحون قدرته وتحنّنه.
وكتب كيرلّس رسالة مسهبة في ذلك الحادث العجيب الى الملك قنسطنديوس، وشرح له بالتفصيل جميع ما حدث. وكنيستنا الشرقية لا تزال حتى اليوم تعيّد لظهور ذلك الصليب العجيب، في اليوم السابع من شهر أيار من كل سنة.
وكانت الكنيسة الشرقية في ذلك الحين منقسمةً الى معسكرين كبيرين يتناضلان في عراك عظيم وتعدّى العراك إلى الإضطهاد. فصبّ الهراطقة غضبهم على البطاركة والأساقفة الكاثوليك، فكان كيرلّس من تلك الضحايا.
وأول من أثار الإضطهاد على كيرلّس اكاكيوس رئيس أساقفة قيصريّة فلسطين فما كان منه إلاّ أن ألّف مجمعاً صغيراً من أعوانه وحكم على كيرلّس بالأبعاد عن كرسيه. فغادر مدينته ورعيّته، فذهب الى أنطاكية ومنها الى طرطوس، حيث استقبله القدّيس سلوانس اسقفها، ووكّل إليه الوعظ والإرشاد في الكنائس. فأقام على ذلك سنين طويلة، وتعزّى عن بعاده عن رعيّته.
فالذنب الأكبر الذي كان القدّيس كيرلّس قد اقترفه، والذي من أجله حُكم عليه بالأبعاد، هو شدّة محبّته للفقراء وتفانيه في خدمتهم. كان القحط قد عمّ في أيامه بلاد فلسطين. وكانت وطأته قد اشتدّت بالأكثر على أورشليم. فما كان من ذلك الراعي الصالح إلاّ أنّه بدأ فوزّع ماله على المساكين. ولمّا رأى وطأة الجوع تشتدّ على الكبار والصغار أخذ يبيع الأواني الدسية ليسدّ بها رمق المعوزين. فما كان من الهراطقة أعادائه إلاّ ان قالوا ان رحمته كانت تبذيراً، وشفقته على البائسين، إنتهاكاً للقدسيات. فحمل صليبه بصبر نظير معلّمه الإلهي، وراح يطوف في بلاد الله واعظاً معلّماً موزّعاً للمواهب والبركات.
لكنّه استأنف حكم أكاكيوس. فالتأم مجمع ساوقية سنة 359، ونقض حكم مجمع قيصرية، وأعاد كيرلّس الى رعيّته. فقام الآريوسيون من جديد وحملوا عليه حملة شديدة وأسقطوه في مجمع القسطنطينيّة، واستعانوا بالملك الآريوسي قسطنديوس وأبعدوه.
وبقي كيرلّس سنتين بعيداً عن رعيّته وعن كنيسته، الى أن مات قسطنديوس وخلفه يوليانس الجاهد، سنة 361.
كان يوليانس هذا قد قضى شطراً من حداثته مع القدّيس باسيليوس والقدّيس غريغوريوس في مدارس أثينا. وكان منذ أيام الدراسة خبيثاً مكّاراً، حتى قال عنه باسيليوس: أن المملكة تربّي في أحشائها ثعباناً هائلاً.
فلمّا قد أفضت إليه الإمبراطورية كان قد كفر بدين المسيح وانتحل الوثنية. فأخذ يعمل على هدم أركان النصرانية، ليبعث الوثنية من جديد، ويقيمها على إنقاض المسيحيّة. ولكن بدل أن يتبع خطط أسلافه القياصرة، رسم خططاً جديدة جهنّمية: فأغلق مدارس النصارى ليدفعهم الى الجهل، فالإنحطاط، فالإنقراض. وأعاد جميع الأساقفة المبعدين من الكاثوليك، ليثير بينهم وبين الأساقفة الآريوسيين نيران العداء والخصام، فيفنوا بعضهم بعضاً. وفتح مدارس عالية لتعليم الفلسفة الوثنية وبثّها في عقول الناشئة، وحمل تلك الشبيبة على الرجوع الى الأصنام. وهكذا عاد كيرلّس الى كرسيه، ورأى ما عملته الذئاب بقطيعه. فأخذ يعمل على إصلاحه. ولكنّه سار مع الأساقفة الآريوسيين بكل فطنةٍ ووداعة ليبعد الشكوك عن رعيّته.
أمّا يوليانس فإنّه زاد على ما تقدّم بأن أثار بين اليهود حماسةً شديدة على النصارى، واذكى فيهم روح الوطنية القديمة، وسهّل لهم العودة الى فلسطين، وأمدّهم بالأموال، ودفعهم الى ترميم هيكل سليمان المتهدّم، وأخذ يجاهر امامهم ان المسيح كذب لمّا قال عن هذا الهيكل: ولا يبقى فيه حجر على حجر إلاّ يُنقض، وأذن لهم في تشييد ذلك الهيكل الضخم، فيكون عنوان مجدهم والرابطة القدسية لوطنيّتهم.
فهبّ اليهود يجمعون الأموال ويبتاعون المواد ويُعدّون العدد. وأخذوا يضطهدون المسيحيين، ويرمونهم بالشتائم، ويتوعّدونهم بتكذيب نبوءة مسيحهم في الإيمان.
وكان كيرّلس ينظر ويتألّم ويصوم ويتضرّع، ويعزّي المسيحيين ويثبّتهم في الإيمان.
فنقضوا كل ما كان قد بقي من حجارة الهيكل القديم ومن أبنيته. ثم أخذوا يحفرون الأسس الجديدة متهلّلين لكنّهم ما لبثوا أن فوجئوا بشهب من اللهيب، تتصاعد من تلك الحفر المفتوحة وتثور عليهم٨خ وتحرقهم فهربوا. وفي اليوم التالي عادوا الى العمل فعادت النيران، فهربوا أيضاً. ولم يزالوا كذلك حتى تركوا العمل، بعد أن كانوا قد نقضوا كل الأبنية القديمة وأسسها، ولم يبقوا فيها حجراً على حجر، كما سبق وتنبّأ السيّد المسيح.
فابتهج المسيحيون، وقام كيرلّس على المنبر يسبّح الربّ ويعظّم قدرته، ويدعو المؤمنين الى التوبة والإعتصام بحبل الإيمان.
أمّا الملك يوليانس الجاحد فاستشاط غضباً لدى سماعه خبر ما حدث في أورشليم، وعزم أن ينتقم بالأكثر من كيرلّس. ولمّا كان مشتبكاً في الحرب مع الفرس ترك ذلك الى ما بعد عودته. لكن الله كان ينتظره في ميدان الحرب. لأنّه لمّا كان في إحد ى المواقع يقود الجيش الى القتال، أصابه سهم فاخترق صدره ورماه عن جواده. فلمّا رأى الدم يسيل بغزارة ، وشبح الموت يصل فوق رأسه، أخذ حفنةً من الدم المتدفّق ورشق بها بغضب نحو السماء وقال : لقد انتصرت أيّها الناصري! ثم لفظ الروح.
فاستراحت الكنيسة من ذلك العدو المخيف. وخلفه فالنس، وأخذ يضطهد الأساقفة الكاثوليك. فلم يعبأ كيرلّس بتهديداته، بل تابع إهتمامه برعيّته بكل جد ونشاط. فأنشأ المياتم وشيّد المستشفيات، وتابع الوعظ والإرشاد باللسان والقلم. فغضب عليه الملك فالنس وأبعده من جديد، سنة 367.
فترك كيرلّس رعيّته للمرّة الثالثة، حزيناً على ما آلت إليه حال الكنيسة من الإنقسام والإضطهاد. وبقي بعيداً عن كرسيه عشر سنوات، الى أن مات فالنس وخلفه "غراسيانس" فلمّا تبوّأ هذا أريكة الملك أصدر أمره بإعادة الأساقفة المبعدين إلى كراسيهم، وبإزعاج جميع الكنائس المغصوبة من الآريوسيين الى الأساقفة رالمتحدّين مع الحبر الروماني البابا دماسيوس.
فأسرع كيرلّس الى رعيّته، فوجدها شرّ ممزّق بالبدع والإنقسامات، وقد تركت شعائر التقوى وعبادة الله الى المعاصي والفسق وكأنواع الرذائل. فأخذ يعمل على إعادتها الى الله والى كنيسته، ويبذل كل كنوز قلبه وعقله في خدمة شعبه واستئصال الهرطقة الأريوسيّة من القلوب، بعد أن عمّت بلاد الشرق والغرب. إلاّ ان السيّد المسيح الساهر على كنيسته أرسل إليها رجالاً عظاماً يدافعون عنها وعن معتقداتها القويمة، فقوّضوا بقداستهم وعلمهم وفصاحتهم أبراج تلك الهرطقة الجهنّمية.
وفي سنة 381 إلتأم في القسطنطينية مجمع مسكوني ضد الآريوسيين المعتدلين ومكذونيوس ، فحرمهم. فحضر كيرلّس ذلك المجمع واشترك مع الآباء في الدفاع عن الإيمان الكاثوليكي المقدّس.
ولبث في الميدان يجاهد ويتعب ويجمع له في السماء كنوزاً لا تبلى، حتى وافته المنيّة سنة 386، وهو في السن السبعين. فخرجت اورشليم كلها وراء نعشه تبكي اباها وراعيها القدّيس، وتتبرّك الى رفاته يهبط الى اللحد.
Share this:
