Media Center
كلمة روحيّة عن "الصوم الأربعيني" مع الأخت كريستينا نور المسيح عن موقع كنيسة سيّدة النّياح- مشغرة، لبنان

20 March 2024
الصوم الكبير المجيد
الصوم الاربعيني
الاثنين 18/3/2024
باسم الاب والابن والروح القدس الاله الواحد امين
صباح نور ومحبة والمسيح
يااخوتي واخواتي الاحباء ... بما اننا ابتدأنا الصوم الكبير المقدس.. سأتكلم بمشيئة الرب عن الصوم او الفترة التحضيرية لقيامة الرب المجيدة سنتأمل معا في الصوم ومعناه الروحي.
يقول النص المقدس من بشارة القديس متى الإنجيلي عن التعاليم السامية المقدسة من الرب الطاهر على الموعظة على الجبل.
"وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ. وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ، لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً" (متى 6 :16-18).
يا احبائي .. ان السيد المسيح اعطانا صورة الصوم الحقيقي , لأن الصوم ليس هو صوما ظاهريا لنتمجد من الناس وننال المجد الباطل الزائل ,انما الصوم الداخلي الروحي الجوهري .
كيف يكون هذا ؟
الجواب : بالأعمال . وتطبيق الصوم في اعمال بر وقداسة واعمال الرحمة . ان القدوس الرب الاله المتجسد يسوع المسيح صام اربعين يوما , ليعطينا الصورة المشبهة به , وجُرِّبَ من الشيطان ليعلمنا اننا في فترة الصوم كبشر سنحارب بأفكار الشرير , اعطانا اننا بالأيمان نتغلب على اعمال الشرير وتجاربه ,فمن تعاليم معلمنا بولس الرسول في الحياة العائلية ( بين الزوجين ) قال "لاَ يَسْلُبْ أَحَدُكُمُ الآخَرَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُوافَقَةٍ، إِلَى حِينٍ، لِكَيْ تَتَفَرَّغُوا لِلصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، ثُمَّ تَجْتَمِعُوا أَيْضًا مَعًا لِكَيْ لاَ يُجَرِّبَكُمُ الشَّيْطَانُ لِسَبَبِ عَدَمِ نَزَاهَتِكُمْ" ( كورنثوس الأولى 7: 5),نلاحظ ان معلمنا بولس ذكر الصوم قبل الصلاة , مع انهما مقترنان ببعض وذلك لأهمية الصوم.
اليوم نبدأ الصوم الاربعيني (الكبير) وهذا ليس معناه ان نرفع اللحوم عن موائدنا فقط , ونمتنع عن الطعام الحيواني اي المنتج الخارج من النفس الحية وبمعنى اخر كل طعام فيه دسم ,ونحن نأكل لحوم بعضنا البعض تحت شعار الصوم ,كيف ؟
بالنميمة بعضنا على بعض , بتشويه سمعة الاخرين , باختلاق المشاكل للآخرين ,وزرع الفتنة بين الناس ، بتدنيس اجسادنا وافكارنا ويمكن تدنيس الاخرين معنا ايضا . بالشتيمة والسباب ,بقلوب حاقدة كارهة الخير, بالحسد ومحبة العالم وشهوة العالم ,هكذا ناكل اللحم البشري بهذه الاعمال نطبق مشيئة ابليس , ممتنعين عن اكل الطعام الحيواني شكليا فقط .( هكذا نكون مجرد نباتيين ).
ما الذي آخذه الله من صومنا؟ وما الذي أخذناه نحن من الله؟ او بمعنى اخر , ماذا نعطي الله في صومنا ؟ وماذا أعطانا؟ هل كان صومنا فتره غير عادية في حياتنا؟ كل هذه الأسئلة يجب ان نسالها لأنفسنا , لكي نكون قادرين على صوم مبارك امام الرب ومقبول لديه , فهذه أيامًا مقدسة نشعر فيها بيقظة روحية تدعونا أن نتذوق وننظر ما أطيب الرب. هل اختبرنا فيها كيف نسلك حسب الروح وليس حسب الجسد ؟ ان الصوم هو ليس تغيير طعام بطعام. وليس هو امتناع فتره معينة عن الطعام.. كل هذه مجرد وسائل، ولكنها ليست هي جوهر الصوم. فجوهر الصوم هو انطلاق الروح من مطالب هذا الجسد الشهواني ، لكي يسمو الجسد معها الى الفردوس (حيث كانا ادم وحواء قبل السقوط)، ويرتفع الإنسان بعيدًا عن ثقل المادة، متجهين معًا في اتجاه واحد هو محبة الله، والتمتع بعشرته. هذا هو الصوم المقدس، المخصص لله.
إن أردنا ان نقدس هذا الصوم لله. علينا في الصوم ان نخصص القلب والفكر والإرادة لله. فلا يكون كل صومنا هو انشغال بالأكل والشرب ونحن نعده نفكر بالأطعمة البديلة عن المأكل الدسمة . وإنما جهادنا ومحاربتنا لشهوات البطن ، وضبط النفس فيما نآكل ونشرب، هو تدريب لهذه الإرادة وكيف تقوي فينا ، ولا تكون قاصرة علي موضوع الطعام فحسب، وإنما إرادتنا التي نجحت في السيطرة على الطعام وتدريب الروحي ،وان تقدم ذاتها لله في كل شيء.
الصوم الكبير هو أقدس أيام السنة، ويمكن أن نقول عنه إنه صوم سيدي، لأن سيدنا يسوع المسيح قد صام بنفسه . وهو صوم من الدرجة الأولى , فالذي لا يستفيد روحيًا من الصوم الكبير، من الصعب أن يستفيد منه في أيام أخرى ( باقي الاصوام وصوم الأربعاء والجمعة ) . والانسان الذي يقضي أيام الصوم الكبير بأستهانة، من الصعب عليه ان يجاهد فيه باقي أيام السنة. لنحاول أن نستفيد من هذا الصوم في طقوسه وروحياته الخاصة وقداساته التي تقام في المساء .
ان الصوم الكبير فترة تمهيدية لاستقبال الام المسيح وصلبه وموته وقيامته من اجلنا , العمل الذي من اجله اتى الاله للعالم واخذ جسم بشري ، لكي يتمم سر الفداء لذلك يريدنا الرب ان نصوم روحيا مشبهين به كما قاله اشعياء النبي الإنجيلي :
+"أليس هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ لاَ تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ. حِينَئِذٍ يَنْفَجِرُ مِثْلَ الصُّبْحِ نُورُكَ، وَتَنْبُتُ صِحَّتُكَ سَرِيعًا، وَيَسِيرُ بِرُّكَ أَمَامَكَ، وَمَجْدُ الرَّبِّ يَجْمَعُ سَاقَتَكَ. حِينَئِذٍ تَدْعُو فَيُجِيبُ الرَّبُّ. تَسْتَغِيثُ فَيَقُولُ: هأَنَذَا. إِنْ نَزَعْتَ مِنْ وَسَطِكَ النِّيرَ وَالإِيمَاءَ بِالأصْبُعِ وَكَلاَمَ الإِثْمِ، وَأَنْفَقْتَ نَفْسَكَ لِلْجَائِعِ، وَأَشْبَعْتَ النَّفْسَ الذَّلِيلَةَ، يُشْرِقُ فِي الظُّلْمَةِ نُورُكَ، وَيَكُونُ ظَلاَمُكَ الدَّامِسُ مِثْلَ الظُّهْرِ. وَيَقُودُكَ الرَّبُّ عَلَى الدَّوَامِ، وَيُشْبعُ فِي الْجَدُوبِ نَفْسَكَ، وَيُنَشِّطُ عِظَامَكَ فَتَصِيرُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وَكَنَبْعِ مِيَاهٍ لاَ تَنْقَطِعُ مِيَاهُهُ. وَمِنْكَ تُبْنَى الْخِرَبُ الْقَدِيمَةُ. تُقِيمُ أَسَاسَاتِ دَوْرٍ فَدَوْرٍ، فَيُسَمُّونَكَ: مُرَمِّمَ الثُّغْرَةِ، مُرْجعَ الْمَسَالِكِ لِلسُّكْنَى" (إشعياء 58: 6-12),
ان الصوم هو صوم القلب واللسان والجسد , فهذا الصوم هو مكمل للصوم عن الطعام هذا الصيام الروحي يعطي صورة لقوة الجهاد الحسن ضد مشتهيات ومغريات الجسد , ومن هذا التدريب الروحي على التمنع عن المحببات لدينا من مأكل ومن امور أخرى ، كما يفعل فئات غير مسيحيين بأصوامهم ويضطهدون من يشرب امامهم شربة ماء وهم صائمون .
اما من يصوم عن امور الجسد ,هؤلاء إما أنهم صاموا بطريقة جسدانية، ولم يهتموا بالفضائل المصاحبة للصوم أو أنهم اتخذوا الصوم غاية في ذاتها، بينما هو مجرد وسيلة توصل إلي غاية معينة , مثال اظهار التقوى والتمجيد من الناس ولنذكر موقف الرب من الفريسي في مثل الفريسي والعشار .اذ قال الفريسي " اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ( لوقا 18: 10-11) فرغم انه يصوم مرتين بالأسبوع ولكن الصوم لم يبرره بل قال الرب عنه وعن العشار المتزين بالتواضع وانسحاق الروح " إِنَّ هذَا (العشار ) نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ (الفريسي ) ،." (لوقا 18: 14)
اذاً إن الصوم هو فترة روحنيات , فترة حب لله، والتصاق به. وبسبب هذا الحب يرتفع الصائم عن مستوي الجسد. هو ارتفاع عن الأرضيات ليتذوق الإنسان السمائيات. إنه فتره مشاعر مقدسة نحو الله. علي الأقل فيها الشعور بالتواجد مع الله , وهو فترة جهاد روحي: جهاد مع النفس، والالتصاق بالله، وجهاد ضد الشيطان.
أيام الصوم هي أيام للطاقة الروحية. فمن عُمْق الروحيات التي نحصل عليها في الصوم، يأخذ الصائم طاقة روحية تسنده في أيام الإفطار. فالذي يكون أمينًا لروحنياته في الصوم الكبير ,لا يكون اضطرارًا، أو لكسب المديح والمجد الباطل ، أو بسبب عادة. إنما يصوم لأجل محبة الله، الذي تنازل واخذ جسد انسان من اجلنا وحمل خطايانا وتألم من اجلنا , لكي يردنا الى الفردوس الذي طرد منه ابائنا الأوليين ادم وحواء ويمحي سك الخطية بدمه , فان ارتفاعنا عن الماديات والجسدانيات لتأخذ الروح فرصتها يحرص فيه الصائم علي حياة مقدسة مقبولة أمام الله. فيها الاعتراف وتبكيت النفس، وفيها التناول من الأسرار المقدسة..
من الاقوال المأثورة في كتاب الله المقدس :
+" اعلموا أن الرب يستجيب لصلواتكم إن واظبتم على الصوم والصلوات أمام الرب" (يهوديت 4: 12) ++
هذا يعلمنا اهمية الصوم مع الصلاة وايضا
++"صالحةٌ الصلاة مع الصوم، والصدقة خيرٌ من ادخار كنوز الذهب" (طوبيا 12: 8)++
الصوم مقترن باعمال الرحمة مع اخوة الرب الاصاغر .
علينا اذن ان نقدس الرب بالصلاة والصوم والانسحاق كما قيل بالنبي يوئيل
++"قَدِّسُوا صَوْمًا. نَادُوا بِاعْتِكَافٍ. اجْمَعُوا الشُّيُوخَ، جَمِيعَ سُكَّانِ الأَرْضِ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ إِلَهِكُمْ وَاصْرُخُوا إِلَى الرَّبِّ" (يوئيل 1: 14)++
يا اخوتي اننا نمجد الرب بالصوم والصلاة مهيئين انفسنا لاستقبال سر الفداء الذي يجدد فينا كل عام الام المسيح ودمه الذي يبيض ثيابنا مجددا فينا روحه مقوينا بالنعمة منتظرين الرجاء بقيامته المجيدة .
بركة الله الاب ومحبة الابن ونعمة الروح القدس معنا جميعاً
وصوم مقبول ومُرْضي امام الرب
اختكم المحبة كرستينا نور المسيح


Share this:
