21 March 2024
هو أحد كهنة أنقرة، ومن الأفاضل الغُيُر على القيام بواجباتهم الرعائيّة. كان رجلاً شجاعاً، لا يهاب الموت في الدفاع عن الإيمان المقدّس، وفي خدمة النفوس الكريمة الموكولة إلى عنايته.
وكانت الشجاعة هي الفضيلة الكبرى في تلك الأيام المشؤومة، التي قامت فيها البدع فبلبلت الكنيسة، وأقلقت الضمائر، وسلّحت الأخ ضد أخيه، ونكست أعلام السلام بين المؤمنين.
ودخل قياصرة القسطنطينيّة في المعركة، وتبع بعضهم راية آريوس ونسطوريوس. فقام أولئك الملوك الآريوسيون الهراطقة، أمثال قسطنديوس وفالنس، فاضطهدوا الكنيسة وشتّتوا الأساقفة، ولم يأنفوا من وضع السيف في رقاب المؤمنين في أواسط ذلك القرن الرابع.
إلاّ أن مهاجمة العقائد المسيحيّة في تلك الأيام الشديدة كشفت عن دروع كتيبة من الأبطال، قاموا يذودون عن الإيمان بقلمهم وفصاحتهم وقداستهم، ويتلقّون سهام الهراطقة بصدورهم. لأن الكذب والكفر والرياء، إذ تعييها الحيل، تلجأ إلى الإضطهاد والسيف.
لكن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وكنيسة المسيح الجامعة لا بد دائماً ظافرة، وهي لا تُحرم في كل جيل بنين يحملون علَمها عالياً في ميادين القتال. ولقد كانوا جيشاً جبّاراً في أيام الكاهن باسيليوس، وأكثرهم أساقفة: أثناسيوس الإسكندري، والكيرلسان الإسكندري والأورشليمي، وباسيليوس في قيصريّة الكباذوك، وأيرونمس في فلسطين، وغريغوريوس النزينزي ويوحنّا الذهبي الفم في القسطنطينيّة، وملاتيوس في أنطاكية، وأمبروسيوس في ميلانو، وهلاريوس في بلاد غاليا، وغيرهم.
وزادت الشرور لمّا صعد على أريكة الملك يوليانس الجاحد، إبن أخي الملك قسطنطين الكبير، وهو الذي كان القديس باسيليوس يقول عنه، إذ كان تلميذاً معه في مدرسة أثينا: "أن المملكة تغذّي ثعباناً في حجرها".
فإن هذا الملك جاهر بالوثنيّة، وبدأ يضطهد النصرانيّة إضطهاداً منظّماً مدبّراً، وضع له خططاً حربيّة شيطانيّة لم تعهدها الكنيسة من قبل، وأخذ يهدم كل ما كان بناه عمّه الملك العظيم في بيعة الله المقدّسة.
وكان يفتخر أنّه العدو الكبير لذاك الناصري، وأنّه لا بد له أن يسحقه ويبيد جماعته. ولكنّه نسي في عتوّه وصلفه كلمة جملئيل في محفل اليهود، إذ كانوا يحاولون التنكيل بالرسل: "أقول لكم أعدلوا عن هؤلاء الرجال واتركوهم، لأنّه إن كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض، وإن كان من الله فلا تستطيعون نقضه".
ولقد تحقّق ذلك الملك يوليانس الجاحد بنفسه، لما أضمر لكنيسة الله أنواع الشرور وعزم على تنفيذها من بعد رجوعه من حرب الفرس، فإنّه، وهو في إحدى المعارك، أصابه سهم إخترق صدره فسقط عن فرسه. ولمّا رأى الدم يتفجّر من جرحه، وعرف أنّه مائت، قبض على شيء من دمه ورمى به إلى السماء وقال: "لقد إنتصرت إيها الناصري. ثم أسلم الروح".
أمّا باسيليوس الكاهن الغيور الذي كلامنا عليه الآن، فإن يوليانس هذا نفسه عند ذهابه لمحاربة الفرس مرّ به في أنقره، ولمّا سمع بأعمال تقواه وغيرته وجرأته في سبيل الديانة المسيحيّة، إستدعاه إليه وكلّمه ووعده بكل إكرام وبأعلى الرتب إن كان يريد أن يتبعه. ولمّا رأى عوده صلباً أمر بتعذيبه. فجُلد وأهين وسُجن، فبقي ثابتاً، بل أسمع الملك كلاماً شديداً عدّه ذاك الطاغية مهيناً لسلطانه. فأمر أن يقطّع قطعاً قطعاً، كل يوم سبع قطع صغيرة، ليطول عذابه. وهكذا قضى ذلك الكاهن الشهيد الشجاع سنة 363، قبل موت يوليانس بقليل.
[back]