Media Center
كلمة الراعي / الأحد 5 أيّار 2024 "البشارة، الشهادة والخدمة" من أبرشيّة اللاذقيّة وطرطوس وتوابعهما

5 May 2024
كلمة الراعي / الأحد ٥ أيار ٢٠٢٤
أحد القيامة المقدس
* البشارة، والشهادة، والخدمة
البشير شاهد، أوّلاً، ثمّ يضحي خادمًا. البشير، أيّها الأبناء المحبوبون بالربّ، هوإنسان، كسائر الناس، إنّما عنده، في الحالة العاديّة، كما يُفترَض، ما ليس عندهم، من وحدة حال مع كلمة الحياة: عنده اختبار يسوع القائم ظافرًا من الموت، الذي أذيقه، كيدًا، وحسدًا. أساس البشارة هو هذا الاختبار، لا شيء آخر، البتّة. من لم يختبر، لم يذُق. ومن لم يذُق طعم الربّ، الذي غلب الموت، سوف يبشّر بمذاق أطعمة أخرى، يتناولها، أو تعوّد على أن يغتذي بها. ومن يتنكّب على كتفَيه خدمة الكلمة، وهو لم يختبر قيامة الربّ، في حياته الخاصّة، ليس بشيرًا، كيفما حاول، ومهما سعى، لأنّ خدمة الكلمة عمل مقدّس: هي انعكاس البشارة على العيش، وسط العالم، كما البشارة هي، بدورها، انعكاس الاختبار الروحيّ على بساط المبشّر الداخليّ.
البشير ليس خطيب منابر، ليس هو متفوّهًًا، يبرع بترتيب ما عليه أن يلقي به من أفكار، على حشد من الناس، لكي يدهشهم. ولا هو متحذلق، في الكلام، يعرف أن يستأثر بعقول مستمعيه، من خلال ألفاظه. ولا هو متأنّق، كذلك، يجلب إلى طلعته أنظار من يحدّقون إليه، فيما هو يتحدّث إليهم. الخطيب يبهر، لكن بالكلام، فقط؛ أمّا البشير، فيُرهِب، بالحقيقة، التي يكشف بواطنها. الخطيب يبغي مجد نفسه، أمّا البشير، فمجد من يتحدّث عنه. يستغلّ الخطيب الموضوع، الذي يتحدّث فيه؛ أمّا البشير، فيستغلّ اختبار النعمة، التي صار إليها.
لهذا، يقول بولس الرسول، مخاطبًا أهل كورنثس: "... لم آتٍ ببراعة الكلام، أو الحكمة، لأبشّركم بشهادة الله" (١ كو ٢: ١). إنّه يرفض رفضًا قاطعًا أن يحلّ فنّ الخطابة محلّ العلاقة مع الربّ يسوع، كأساس لا بديل عنه، للتبشير برسالة المسيح. لا فنّ الخطابة، أيّها الأحبّاء، ولا أيّ شكل آخر، مهما كان برّاقًا، أو جذّابًا، يمكنه أن يحلّ محلّ الامتلاء من روح المسيح يسوع، ربّنا، لكي يُبنى التبشير بيسوع، فادينا، عليه. لقد بنى أهل غلاطية، بالفعل، على الناموس، بعد أن كانوا قد بنوا على ما عاينوا، في بولس نفسه، من عذابات جمّة، تحمّل لظاها، عندما قام بالتبشير، في تخومهم. فوبّخهم، في الرسالة، التي وجّهها إليهم. ومثلهم مثل الكورنثيّين، في هذا الخصوص. فقد أنشأوا يتفرّقون إلى مجموعات متناحرة، بسبب انخداعهم بفلان، وفلان آخر، من المبشّرين، على حسب اعتبارات شتّى، يذكرها لنا القدّيس بولس، في الرسالة الأولى، التي بعث بها إليهم.
وفي هذا الموضوع، كم ينبغي علينا أن نتنبّه، أيّها الإخوة، للأساس، الذي نبني عليه سماعنا كلمة موعظة، من فلان، أو من فلان، من الذين ينادون بالكلمة. وقد قلت لكم إنّه لا أساس صالح للمناداة بالربّ يسوع، غير أساس واحد، وهو الامتلاء من روح الربّ، الذي علّم، وعاش، وسلك، بالوداعة، والبساطة، والرفق، والذي ناصب التكبّر، والتجبّر، والترفّه، العداء. ابحثوا عن هذه الصفات في المبشّرين بينكم، فهي معيار سلامة، لاستقامة انتمائكم، وأعرضوا عن كلّ شيء آخر، منافٍ لها، فهو ليس من روح المسيح.
على أساس الامتلاء من روح المسيح يسوع، إذًا، يمكننا تأدية الشهادة ليسوع، ربّنا. والشهادة، التي نتحدّث عنها، هي أمام الله، أوّلاً، ثمّ أمام الناس، ثانيًا، ثمّ أمام ضميرنا، ثالثًا، كما يقول القدّيس بولس. ثلاثة هم من يقف المبشّر باسم يسوع في حضرتهم، لكي يؤدّي شهادته، ولكي يحكموا فيها، هل هي شهادة مبنيّة على أساس صالح، أم هي شهادة مزيّفة، لا متن لها، ولا مبرّر يسوّغ، حقًّا، الإدلاء بها. أمام الله، يوم يدين الله الناس جميعًا على أفعالهم، ونيّاتهم. ليس الذين يتجاوزون الله كقاضٍ، يفصل في استقامة شهادتهم قليلين! يمضون في تعنّتهم، وإصرارهم على الإساءة إلى اسم الربّ، أمام الناس، من دون أن يلتفتوا إلى الديّان العادل، الذي سوف يحاسبهم على مخالفاتهم، وعلى استمرارهم في تجاهله. وأمام الناس، كامتداد، في الزمان، والمكان، وفي القول، والفعل، والسلوك، لحضور الروح في النفس.
الشهادة، أمام الناس، تفرض على الناس، الذين يرون، ويسمعون، ويقضون، أن يتمتّعوا بحضور الروح عينه، كيما يبتّوا في شهادة الذي ينادي باسم يسوع، الربّ؛ ذلك بأنّ "الإنسان الطبيعيّ"، كما يقول القدّيس بولس، في الرسالة الأولى إلى الكورنثيّين، "لا يقبل ما هو من روح الله ... وليس في وسعه أن يقبله" (٢: ١٤). لهذا، أيّها الإخوة الأحبّاء، تقدّسوا، أوّلاً، لكي تتمكّنوا، من ثمّ، من أن يكون حكمكم في الروحيّين عادلاً، ونزيهًا، وصائبًا، لا مبنيًّا على نزوات طائشة، أو على نفور. فالمعوجّ السبيل يحتاج إلى قويم السبيل، حتّى يُرى اعوجاجه، لا إلى اعوجاج، يقضي بأمره، فلا يفيد في تقويمه، ولا في إظهار التوائه.
لكنّ الشهادة، أمام الضمير، تبقى أكثر الشهادات هشاشة، لا بل أكثرها دلالة على الاختبار الروحيّ. فهذا الأخير ليس هو باختبار، جرى، في الماضي، وبقي مطويًّا في ذكريات الماضي، بل هو، فعلاً، اختبار روحيّ يوميّ، ينمو، بالممارسة، ويتشدّد بإشراف الضمير عليه. لذلك، الشهادة، أمام الضمير، شهادة تخضع، يوميًّا، لفحص، وتشخيص، وتقويم. هي شهادة حيّة، بالمقدار نفسه، الذي يكون فيه الضمير حيًّا. وهي شهادة نزيهة، وجريئة، بالمقدار نفسه، أيضًا، الذي تكون فيه نفس المبشّر باسم يسوع صافية، مهذّبة تهذيبًا دؤوبًا، وجريئًا. أمّا الضمير نفسه، فيمكنه أن يكون حكمًا، يقضي في موضوع الشهادة الصالحة، أو يكون خصمًا، قد خاصم الله، والناس، في سبيل إرضاء الذات!
وماذا نقول، في شأن الخدمة، التي تكمّل ثلاثيّة أساسيّة، بالنسبة إلى كلّ نفس تكرّست، من أجل خدمة الكلمة، أيّها الأبناء المحبوبون، وأعني ثلاثيّة البشارة، والشهادة، والخدمة؟ إنّ الخدمة فعل عبادة، لا يفتأ يتمّ، كلّ ساعة من ساعات النهار، والليل، لأنّها تتوّج البشارة، والشهادة، كلتيهما معًا، تتويجًا، ولأنّها تحوي، في طيّاتها، البشارة، والشهادة، معًا: بشارة يسوع المسيح، الوديع المراس، والمتواضع القلب، والغافر للحائدين عن الطريق، والراثي لأوضاع الناس، صديق البؤساء، ومجادل الفقهاء، معتزل القفار، من أجل الصلاة، والمعلّم الصالح. والشهادة له أنّه المقتفى الأثر، والمقتدى المنهج، والمفتدى بالتكرّس، والتجرّد، والصادق الصدوق، الذي تجسّد، رأفة بالطبيعة البشريّة المتخاذلة، وبذل نفسه، تفانيًا من أجلها، وتحمّل الإهانة، والرذل، والاغتياب، على أيدي خاصّته، ثمّ علا الصليب، ناظرًا مشيئة الآب، وحاضنًا المسكونة، ببسط ذراعَيه، على خشبة الموت، أي شجرة المعصية، المنصوبة في وسط العالم، وقام ظافرًا، وغالبًا الموت، ومعلنًا الانتصار على شوكة الشرّ، المبثوثة في نسيج الطبيعة، شهادة لا تؤدّى انخراطًا في سلك، ولا يُنطَق بها على الشفاه، ولا يدلي بها نجاح، من هنا، أو تسوّر شهرة، من هناك، أو كسب ودّ، عند فلان، وخطب صداقات، لدى فلان آخر، وتحوّط بزمرة، ومباهاة بعلم، وإشهار نفوذ، وتغنّ بموهبة. لقد اختصر بولس الرسول الخدمة، المؤدّاة بشهادة صادقة، وبشارة غيور، بكلمات بسيطة، إذ قال: "أنا صُلِبت، للعالم، وصُلِب العالم لي"، وأيضًا: "من يعثر، ولا أضعف أنا"، ثمّ: "إنّي حامل، في جسدي، سِمات الربّ يسوع"، المجد والتسبيح له، على الدوام.
+ جاورجيوس
متروبوليت اللاذقيّة وطرطوس وتوابعهما
Share this:
