Media Center

"حافظ سورية" سيادة المطران يوحنا جنبرت

24 January 2019

 

طالعت في الأيام القليلة الماضية، في إحدى الصحف الأوروبية، تقريرا رسميا صادراً عن بعض جهاتها الحكومية، يروي ما جرى في سورية أثناء هذه الحرب التي أوشكت أن تنتهي الآن والحمد لله. لقد راعني ما جاء في هذا التقرير من أرقام، كنت أعتبر أنه مبالغ فيها ومُضخّمة لأغراض دعائية، أو أنها من نسج خيال بعض رواة الدراما القصصية أو أنها أيضاً من تركيبات بعض مخرجي الأفلام الكبيرة العملاقة عن الحروب الكبرى  وأحداثها المفجعة الرهيبة.  


يقول التقرير ، إنه جاء إلى سورية مئات الآلاف من الجهاديين، وقد بلغ عدد الذين حاربوا جيشنا زهاء خمسمائة ألف مقاتل شرس، غالبيتهم من الأصوليين والإرهابيين الأغراب، توافدوا من مختلف أنحاء العالم ليشتركوا في تقتيل شعبنا ويُخرِّبوا بلادنا. وهذا العدد الهائل يساوي ضعف ما احتاجه هتلر من الجند، في الحرب العالمية الثانية، ليُخضِع أوروبا برمّتها في الثلاثينات من القرن الماضي، حيث كان عدد جيشه السادس الذي قام بالعمليات لا يتجاوز ال ٢٦٥ ألف مقاتل. كما أن أعداد الدبابات والمصفحات والمدافع الميدانية والعربات المزودة بالرشاشات الثقيلة التي كانت بحوزة الإرهابيين تُعدّ بالآلاف المؤلفة. وبطبيعة الحال كانت الذخيرة الضرورية لمثل هذا الكمّ من القوات والآليات تقدر بآلاف الأطنان، توزعت على ما يقارب عشرة الآلاف موقعٍ عسكريٍ انتشرت على مساحة الجغرافية السورية.

 

كنت في ما مضى أظن أن هذه الأرقام غير معقولة وبعيدة كل البعد عن الواقع، غير أنّ الأحداث ومجريات الأمور التي شهدناها في السنتين الماضيتين بيّنت أنّ ما كان يقال هو عين الحقيقة، وأنّ الهجمة على سورية كانت من أشرس الهجمات التي حدثت في العالم حتى يومنا هذا وأنه بالفعل لم يكن لها مثيل في التاريخ، كما أنه ليِس من المبالغ فيه عندما يقال إنها حرب عالمية ثالثة جرت وقائعها على أرضنا الغالية مُخلِّفة وراءها موتا ًودماراً. فعندما يتكلم الأمير حمد بن جابر آل ثاني عن ١٣٧ مليار دولار دفعتها دول الخليج لإشعال هذه الفتنة، علما بأن كل واحد من هذه المليارات العديدة يساوي ٥٠٠ مليار ليرة سورية، ناهيك عن ما قدمته دول عديدة أخرى في المنطقة وفي بلاد الغرب كما صرّح السفير فورد، وعندما كان يتصور المسؤولون الأمريكيون أنّ القضاء على داعش في سورية هو أمر في منتهى الصعوبة، ومن المفترض أن يستغرق ثلاثين عاما أو أكثر من القتال، كون مجاميعه الإرهابية، غير المَحْصّية والتي لا عدّ لها والوافرة التمويل، هي مدججة بالسلاح والعتاد، وعندما نقرأ أنّ تقارير وزارة الدفاع الروسية تكلمت عن أكثر من تسعين ألف طلعة جوية قامت بها قاذفاتها لتضرب مواقع الإرهاب خلال السنوات الثلاث الماضية، لا يسعنا إلا أنّ نذعن إلى الحقيقة القاسية ونقول إنّ ما جرى كان رهيبا وأنّ ما تهدد بلادنا كان خطيراً للغاية، وانه ما كان لنا سبيل للنجاة من الكارثة التي تهددتنا إلا بفعل قادر ومعجزة من السماء.

 

اليوم، نحن نرى أنّ المعجزة قد حدثت فعلا، وأنّ العاصفة الهوجاء قد هدأت، وأنّ البلاد تستعيد عافيتها يوما بعد يوم والسلام آت رغمً المعاكسات والصعوبات الإجرائية على أنواعها. لقد أخبرني في ما مضى وفي غضون عام ٢٠١٣ أحد أبنائنا المدافعين عن المدينة من جنود جيشنا العزيز، أنه كان في حَيرْة من أمره، وأنه لم يكن يفهم سر نجاته ونجاة زملائه، وهم قِلّة، في معارك طاحنة خاضوها بوجه جحافل المهاجمين المدججين بأحدث أنواع الأسلحة والعَتاد، ثم أردف قائلا: "سيدنا، كنت أشعر وكأنّ يداً خفّية كانت  تقف إلى جانبنا في المعارك لتردّ عنا الأذّية  وتحمينا! ألعللها يد أمنا العذراء مريم؟". واليوم وبعد مُضيّ خمس سنوات وانتهاء التخبّط المُضني الذي عانت منه كل بقعة من بقاع سورية الواسعة، وبعد ما صارت إليه بلادنا من سكينة و أمان، أعود إلى ما قاله لي هذا الجندي الباسل لأقول أنا أيضاً أن يداً خفية قديرة وقفت إلى جانبنا أمام هذا العدوان الغاشم الظالم وأنقذتنا ونجت بلادنا من الكارثة. إنها يد الرب القدير الذي نصرنا وأنعم علينا بالسلامة والحياة وأراد لبلادنا البقاء والاستمرار. 


الحق يقال، إنه إمام كل ما كان يُحاك حول بلادنا من مخططات تخريبية وأمام الاصطفافات العدائية غير المسبوقة ًوالرهيبة التي يصعب تصورها: مئات الآلاف  من الجهاديين والألوف المؤلفة من الآليات المدمرة الفتاكة وعشرات الدول الداعمة ومئات الجهات المتآمرة، لا يستطيع العقل البشري أن يتصور أن المواجهة كانت معقولة، ولا أن النجاة ممكنة. ورغم ذلك بقدرة قادر، شاء الله أن ينقذنا ويحمينا وينعم علينا بالنجاة والبقاء. أفلا يدعونا هذا الذي مر علينا إلى رفع آيات الشكر لله، أولا على عظيم رحمته التي حفظتنا سالمين، ًثم إلى التأمل والصلاة كي ننصت إلى صوت الرب الذي يهمس  في آذان قلوبنا مشيئته التي تدعونا بإلحاح إلى السعي الجاد للعمل على إعادة بناء ما تهدم في هذا الوطن المبارك، بلد المروءة والمعجزات، مبادرين إلى التضحية والاجتهاد بكل طواعية وإخلاص، والتي تدعونا أيضاً وفي الوقت عينه إلى الشهادة لاسمه بخطاب التسامح والوفاق وبلغة المحبة وأعمال الخير، وبالخدمة الصادقة للمجتمع والعطاء السخي للوطن العزيز ولكل من هو في رحابه ينتظر منا الرحمة والحنان، فيا مريم ، يا شفيعة اللاجئين إليها، يا أم الحنان، ضعي في قلوبنا محبة صادقة لوليدك يسوع الذي يوصي أبناءه بأن يبذلوا ذواتهم ويعطوا دون حساب.

 

المطران يوحنا جنبرت +

Share this:

[back]